ثقافة وفنون

القهوة .. مشروب المترفين بعد شبع والمستيقظين بعد نوم

فنجان القهوة في مختلف الثقافات لا يعني مجرد مشروب ساخن؛ إنما يحمل دلالة رمزية لمعانٍ متعددة تختلف باختلاف طبيعة صنعها وتقديمها، وباختلاف الصحبة التي تشاركك هذا المشروب. فنجان القهوة ليس مجرد إناء يحتوي نوع مشروب ما؛ لكنه رمز يقول بطريقة فنية ما لا تستطيع اللغات أن تقوله. وحضور فنجان صغير من الاسبريسو يفوح برائحة البن المحمص الطازج، تعلو سطح القهوة طبقة ذهبية من الكريما التي تكونت بفعل التحميص الجيد لحبوب البن قبل طحنها. هذا الحضور لا يفقهه إلا شخص قد كوّن علاقة جيدة بفنجان قهوة مرّ، يجد فيه كل حلاوة الدنيا، وتشرق معه شمس الصبح. فالقهوة روح الصباح، وكلّ حين تحضر فيه القهوة يغدو صباحا.





تصنع القهوة من حبيبات البنّ المحمصة بالتخمير أو التقطير أو الغلي. فالقهوة فن صنع وفن تذوق، وفن تقديم، رائحتها موسيقى، وآنية تقديمها ثقافة، وكيفية احتسائها لغة. تتنوع القهوة باختلاف أداة صنعها، وطريقة تحضيرها، باختلاف درجة تحميص حبيبات البنّ، أو درجة الطحن، أو باختلاف طريقة زراعة أشجارها أو طريقة قطف ثمارها، وتجفيف حبوبها وتنظيفها. وتعدّ حبوب البن اليوم ثاني أكثر المواد الخام تداولا في السوق العالمية، بعد النفط الخام، وتصل مبيعاتها إلى 55 مليار دولار سنويا. إن الثمار الكرزية الطازجة لشجرة القهوة لا تحمل هذه النكهة المميزة للقهوة التي نشربها، لكن عملية التحميص هي التي تعطي حبيبات البنّ هذه النكهة، حيث تحفّز عملية التحميص مجموعة من التفاعلات الكيميائية هي التي تعطي حبوب البنّ لونها البني النهائي.
قصص بدايات اكتشاف مشروب القهوة المصنوع من البنّ هي قصص غير مؤكدة. تتداخل مع بعض الأساطير التي تقول إحداها، إنه قبل مئات السنين في المرتفعات الإثيوبية، بدأت بعض الماعز تتناول بعض الثمار التي تشبه التوت، فأصبحت شديدة النشاط واليقظة، حتى إنها لم تستطع النوم في تلك الليلة، وشعر الراعي بالدهشة عندما رأى أن أغنامه لم تكن قادرة على النوم ليلا، وكان غير واثق مما ينبغي عمله، فذهب إلى دير قريب ليسأل الرهبان، الذين قاموا بحل اللغز أمامه، فقد كانت أغنامه تعشق تناول هذه الفاكهة من شجيرات القهوة، فقام الرهبان بفضولهم العلمي بإعداد مشروب من هذه الفاكهة، وعقب تناوله، شعروا بطاقة كبيرة لأداء العبادات. وفي رواية أخرى تقول إن مبتكرها هناك هو الشيخ أبو بكر بن عبدالله العيدروس، أحد زهاد عدن ومشايخ الصوفية فيها "1509"، كان سائحا يهيم على وجهه، فمر بشجر البن هناك، واقتات من ثمره، فاتخذها قوتا له بعدما لاحظ أن بن القهوة يحفز الحواس وينشط البدن للعبادة والذكر. وُيذكر أن المتصوفة كانوا من أوائل من اعتاد شرب القهوة، حيث إنه كان يعينهم على السهر لأداء الصلاة. أما من حرّمه، فأكثرهم قالوا إن كثيره يؤدي إلى السكر، ومن حرّمه هنا قد التبس عليه بين قهوة البنّ ونوع من أنواع الخمر يسمى بالقهوة. التي يقول فيها أبو تمام:



تطور مشروب القهوة منذ اكتشافه حتى اليوم، إلى أن ظهر ما يعرف بالقهوة المختصّة. وقد ابتكرت هذا الاسم الجديد في عالم البنّ إيرنا كنوتسن عام 1974 في إحدى إصدارات صحيفة "تجارة الشاي والقهوة"، حيث استخدمت هذا المصطلح لوصف أفضل حبيبات القهوة من حيث النكهة، التي تزرع وتُعالج في مناخات خاصة. مع القهوة المختصة اليوم لم يعد البحث عن النكهة الإضافية المبتكرة هو المهم؛ إنما الاعتناء بحبوب البنّ وتحميصها بطريقة مدروسة، وتحديد درجة طحنها، ومقدارها، ومدة غليها أو تخميرها. والاهتمام بالكيفية التي تقدّم بها القهوة، فالقهوة ليست مشروبا فقط إنما "كيف؟"، بمعنى أن الكيفية التي تصنع بها القهوة، والكيفية التي تقدّم بها، والكيفية التي تُشرب، بها؛ لا تقلّ أهمية عن جودة نوع البنّ والتحميص والطحن والإعداد.
إن علاقة الإنسان مع مشروب القهوة الساخنة ليست علاقة غذائية صرفة؛ إنما هي أشبه بالعلاقة الدوائية العلاجية، أو ترف غذائي لرفع حالة الانتباه. فالغِذاءُ: ما يُتَغَذّى به، وما يكونُ به نَماءُ الجِسْمِ وقِوامُه من الطَّعامِ أو الشراب. أما الدواء فيعرّف بشكل عام أنه: أي مادة كيميائية لها القدرة على تعديل أو تغيير الوظائف الجسدية/الحيوية الطبيعية للكائن الحي حال امتصاصها ودخولها الجسد. فالقهوة من الناحية الغذائية مشروب مرّ ساخن لا يسمن ولا يغني من جوع، لكنها مشروب المترفين بعد الشبع، والمستيقظين بعد النوم، حيث يتفاعل مشروب القهوة مع الجسم وتحدث حالة من النشاط والتنبيه بطريقة تشبه تفاعل الدواء مع جسم الإنسان.
وأخيرا.. ربما لا يعني فنجان القهوة جرعتك اليومية من الكافيين لانتباه أفضل، لكنها لحظات تقضيها توقظ خلايا دماغك على مهل، وتجدد رائحتها نشاط جسمك. القهوة رائحة الصباح، والصحبة الطيبة. وربما صارت القهوة في ذاتها صحبة، وصارت في ذاتها غاية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون