ثقافة وفنون

يوم عالمي للثقافة الإفريقية .. وانحياز أممي جديد

قررت اليونسكو أخيرا، اعتبار 24 كانون الثاني (يناير) يوما عالميا للثقافة الإفريقية، بعد مضي أكثر من عقد من الزمن على تقديم هذا الطلب إليها، من قبل منظمة الاتحاد الإفريقي عام 2006.
تم الاعتراف رسميا بهذا اليوم العالمي في الدورة 38 لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لعام 2015، من باب الإقرار بمساهمة إفريقيا في التراث العالمي، وهي فرصة لسكان هذه القارة، ولبقية العالم للاحتفاء بالتراث الطبيعي والثقافي الغني للقارة الإفريقية. فهذه القارة، كانت قبل آلاف السنين مهد الحضارة الإنسانية، حيث بدأ الإنسان ببناء مساكن واستحداث أساليب مختلفة للعيش والصيد، ما مكنه من التأقلم مع الطبيعة، قبل أن تنتشر هذه الحضارة الإنسانية في باقي الاتجاهات.
يتساءل الكثيرون عن معنى تخصيص الثقافة الإفريقية بيوم عالمي دون غيرها من الثقافات؟ وهل مجريات الاحتفاء بهذا اليوم تظهر بأنه عالمي حقا أم أن من خارج القارة لا يعلم حتى بوجوده ونشأته من الأساس؟ وهل تعكس مظاهر الاحتفال بهذا اليوم الغنى والتنوع الذي تزخر به الثقافة الإفريقية؟
تعود خلفيات تخليد هذا اليوم إلى ما جاء في تقرير اليونسكو عن "أطلس التراث العالمي" للسنة الماضية، إذ تم التأكيد فيه على أن المنظمة تعمل مع باقي الدول، على التعريف بهذه المواقع طبيعية كانت أو ثقافية، وتسعى إلى إيلائها العناية والحماية التي تستحقها كتراث إنساني مشترك.
ترتبط جذور هذا اليوم العالمي بمعاهدة عام 1972؛ المتعلقة بحماية مواقع التراث الإنساني الطبيعي والثقافي، الموقعة من قبل 192 دولة إلى حدود الآن. وبمقتضاها تم تسجيل 1052 موقعا ضمن لائحة المواقع التراث الإنساني. وقد جاء توزيع هذه المواقع المنتشرة في مختلف بقاع العالم وفق ما يلي: 814 موقعا ثقافيا، و203 موقعا طبيعيا، و35 موقعا يجمع بين الثقافي والطبيعي.
لكن ما استرعى انتباه المنظمة أن أغلبية المدرجة في خانة "المهددة بالخطر" تقع في القارة الإفريقية، وتحديدا في شرق ووسط هذه القارة. ففي إفريقيا الوسطى نجد مثلا منتزه مانوفو غوندا سانت فلوريس، الذي يتميز بغنى وتنوع الحياة البرية، وقد أدرج في قائمة التراث الإنساني العالمي سنة 1988، وكذا منتزه تريناسيونال دو لاسينغا الممتد على أكثر من 750 ألف هكتار، تتقاسمها كل من إفريقيا الوسطى والكاميرون وجمهورية الكونغو، ما أخر الاعتراف به إلى غاية عام 2012. وفي جمهورية تشاد هناك بحيرات أونيانغا التي تمتد بمنطقة إنيدي بالصحراء الكبرى، وهي أكبر مجمع للبحيرات في العالم حيث يتألف من 18 بحيرة مترابطة.
في عمق القارة السمراء، نجد مجموعة من الحدائق المدرجة ضمن قائمة التراث الإنساني الطبيعي المهدد بالخطر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، منها حديقة كاهوزي بييغا وحديقة غارامبا المدرجتين ضمن قائمة اليونسكو منذ عام 1980، قبل أن تضاف إليهما حديقة سالونجا بعد أربع سنوات، ثم محمية الأكاب للحيوانات البرية سنة 1996.
ما أكثر المواقع التي تصنف في حالة تهديد خطر، ما يفرض وجوبا تدخلا عاجلا لحمايتها. بعيدا عن السرد التفصيلي لمختلف هذه المواقع، نشير إلى أن اليونسكو حددتها في تسعة مواقع في دولة إثيوبيا؛ معظمها مواقع ثقافية، وسبعة في جمهورية مصر العربية، وفي كينيا ستة مواقع أغلبها طبيعية، ثم ثلاثة مواقع في كل من جمهورية السودان وأوغندا، وموقع واحد في جمهورية إريتريا.
جميل أن تكون هذه المبررات وراء فكرة الاحتفال بهذا اليوم العالمي، الذي اختيرت العاصمة المالية باماكو لاحتضان أولى دوراته، على أمل أن يتحول إلى مناسبة للاعتراف بالمخزون الطبيعي والثقافي الهائل الذي تعج به هذه القارة المنسية.
كما يراهن الأفارقة على تحويله إلى فرصة لتعزيز ميثاق النهضة الثقافية الإفريقية بين بلدان القارة، ويشكل اللبنة الأولى لإنشاء أساس مشترك للسياسات الثقافية بالقارة. فهذا الحدث سيكون مناسبة تسهم في إشعاع الثقافة الإفريقية، على الصعيد القاري والدولي. كما سيكون فرصة لمساعدة وتعزيز المستثمرين وحاملي المشاريع الثقافية في إفريقيا، من خلال دعم مبادرات المواهب العديدة.
يقف المتتبع لمجريات الدورة الأولى لهذا اليوم العالمي على خيبة أمل كبير لدى الأفارقة، فصدى الاحتفال لم يتعدَ حدود القارة السمراء، وكأن المناسبة تحول من يوم عالمي للتعريف بما تزخر به القارة، من مؤهلات طبيعية وثقافية. والتنبيه إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات كافة قصد حماية الإرث الإنساني بها للأجيال القادمة، إلى يوم محلي يتردد صداه بين كبرى العواصم بهذه القارة (باماكو، داكار، أبيدجان، لومي ...).
وتزداد خيبة الأمل؛ ومعها الكثير من الغرابة، حين نعلم أن ترسيم هذا اليوم يعود إلى دورة شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 لليونسكو، وحتى اللحظة لا أثر له في خانة الأيام العالمية المحتفى بها على بوابة موقع الأمم المتحدة بأي من اللغات الستة المعتمدة.
مرة أخرى تثبت الأمم المتحدة أن التحيز قائم في عملها، وأنها لم تقطع بعد مع سياسة التمييز بين المناطق والشعوب والأمم، في الحرب كما في السلم. فلو تعلق الأمر بيوم عالمي "غربي" أو مناسبة مرتبطة بالإنسان الأبيض لأقامت الدنيا وأقعدتها من أجله، لكن ما دام الأمر يتعلق فقط بالقارة السمراء فلا أهمية لذلك، فإنسانية هذه الشعوب غير مكتملة بعد، فهم أقرب ما يكونون للحروب والمجاعات والموت منهم إلى الحياة والسعادة ... والإنسانية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون