اتفاق خفض الإنتاج .. «قوة التعاون»

|

بعد عامين تقريبا على إقرار أول اتفاق لخفض الإنتاج النفطي بين بلدان منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" والدول خارجها، أظهر الاتفاق أهميته على مختلف الأصعدة، سواء السعرية، أو تلك المرتبطة بالإمدادات. ومن أهم مزايا هذا الاتفاق أنه جمع كل البلدان النفطية المؤثرة تقريبا، وأوجد أرضية قوية للتفاهم المستمر بين تلك الدول المنضوية تحت لواء "أوبك" وبين البلدان خارج هذه المنظمة، ما عزز استقرار السوق النفطية، وأفسح المجال أمام مزيد من التعاون في المستقبل، خصوصا بعدما تمكنت دول محورية، على رأسها السعودية، من الوقوف في وجه بعض من أراد الالتفاف حول الاتفاق النفطي المشار إليه. فاستراتيجية المملكة كانت معروفة منذ عقود، وهي تستند إلى أسعار عادلة للنفط بالنسبة للمنتجين والمستهلكين، وإلى توفير الإمدادات العالمية اللازمة.
اتفاق خفض الإنتاج المتجدد أضاف لسعر برميل الخام 25 دولارا، حيث يتم تداوله الآن في حدود 70 دولارا، وهذا يؤكد مرة أخرى أن التعاون ضروري لتحقيق كل الأهداف، وأنه لا مكان للتجاوزات التي تحب بعض البلدان المارقة أن تقوم بها. وإشارة المهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية، إلى هذه النقطة، أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس"، تعطي مصداقية أكبر بهذا الخصوص، لاسيما أنه شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة استمرار التعاون بين البلدان النفطية، والمضي قدما في الاتفاق. بل إنه طرح إمكانية التوصل إلى اتفاقية مستدامة في هذا المجال، وذلك من أجل إضافة مزيد من الثقة بالسوق النفطية، وكذلك ضمان أسعار مقبولة للخام.
ولا شك، أن نتائج اتفاق خفض الإنتاج النفطي، ستتعزز لاحقا في العام الجاري، في أعقاب مؤشرات على استمرار النمو في معظم البلدان المستهلكة للنفط، بل إن اقتصادات أوروبا التي عانت تراجعا ملحوظا في النمو طوال السنوات الماضية، تمضي قدما إلى نمو جديد بمستويات مرتفعة أيضا. وهذا يعني أن الطلب على النفط سيتواصل، الأمر الذي يضيف مبررا آخر لضرورة التمسك باتفاق خفض الإنتاج، بل الوصول به إلى مستويات جديدة بمعايير جديدة تحاكي الحراك الاقتصادي العالمي الراهن. يأتي ذلك، في الوقت الذي تأكد أيضا، أن البدائل الأخرى للنفط على الساحة العالمية لا تتقدم بما يكفي لتهديد هذا المنتج. فحتى النفط الصخري الذي تراجعت تكاليف إنتاجه في السنوات القليلة الماضية، لن يلبي إلا جزءا بسيطا من الطلب العالمي.
لا مجال هنا أمام البلدان المصدرة للنفط إلا التعاون. وتقود السعودية بقوة هذا التعاون الذي عاد بالخير فعلا على كل الأطراف. كما أن العلاقات المتنامية بينها وبين روسيا، ساعدت أيضا على تحقيق كثير من الأهداف. والأهداف هنا تختص بالعوائد الوطنية للدول النفطية. فالموازنة العامة الروسية نفسها ارتفعت أكثر من 14 مليار دولار جراء الزيادة الحاصلة في أسعار النفط. وكذلك الأمر بالنسبة لبقية البلدان التي تحتاج بالفعل إلى مداخيل قوية في السنوات المقبلة. وكل تعاون على الصعيد النفطي يعد إضافة كبرى للاقتصادات الوطنية للبلدان النفطية. ومن هنا، فإذا ما تم التوصل بالفعل إلى اتفاق طويل الأمد لخفض الإنتاج، فإن المكاسب ستكون أكبر، وفي الوقت نفسه، ستستقر السوق النفطية أكثر، وهذا ما يتطلبه أي اقتصاد في العالم.

إنشرها