التغير في اتجاهات معدل التضخم في السعودية

|

معدل التضخم مؤشر اقتصادي مهم يعكس القوة الشرائية في أي مجتمع وقوة العملة فيه، وهو كرقم مهم بذاته ولكن أيضا اتجاهه ذو أهمية إضافية، ولا بد من قراءة الرقم ضمن اتجاهه، فليس كل تغير في التضخم هو ضعف أو قوة في القدرة الشرائية بل بسبب سياسات اقتصادية سواء كانت مؤقتة أو مستدامة، طويلة الأجل أو قصيرة، فالمعدل قد يظهر سالبا في اتجاه سالب مستمر وهذا مقلق اقتصاديا كما لو تم تسجيل تضخم موجب في اتجاه موجب مستمر، والتضخم يحمل من المعلومات الكثير. فإذا ظهر سالبا فإن الأسعار تتجه إلى التناقص لكن لا قلق في أن الأسعار تتناقص بل لأن سبب التناقص هذا هو تراجع القدرة الشرائية عند المجتمع، وهذا قد يكون بسبب تباطؤ اقتصادي أو بسبب انكماش، وكلما زادت حدة الاتجاه السالب في الأسعار كانت دلالة على الانكماش ولا بد من معالجة ذلك وتحفيز الاقتصاد للعودة إلى المسار، فالتضخم السالب وإن كان يظهر في شكل تراجع الأسعار إلا أنه مؤشر غير جيد، فالتراجع المهم في الأسعار هو الذي يتحقق مع النمو الاقتصادي أي أنه جاء نتيجة المنافسة والتنوع. وخلال عام 2017 سجل معدل التضخم في السعودية تراجعا لافتا رصدته تقارير وحدة التقارير في الاقتصادية استنادا إلى بيانات الهيئة العامة للإحصاء، فمتوسط معدل التضخم خلال العام الماضي 2017 كاملا، بلغ نحو - 0.24 في المائة. لكن من المهم لفت النظر إلى أن هذا التراجع قد جاء وفقا لسياسات اقتصادية قامت بها حكومة المملكة من أجل إعادة هيكلة كثير من المشاريع الحكومية وإعادة ضبط الإنفاق، وقد كانت المنهجية تقتضي إيقاف الصرف على عدد واسع من المشاريع حتى تتم إعادة جدولتها وفقا للجدوى الاقتصادية منها، ولهذا ظهرت نتائج ذلك في معدل التضخم السالب. فالقضية ليست مشكلة هيكلية في الاقتصاد السعودي تستدعي تدخلا كبيرا، ولم يكن هذا الانعكاس في اتجاه التضخم يمثل قلقا للاقتصاد ولا حتى للمراقبين، ولهذا نقول إن المهم ليس المعدل نفسه بقدر ما يهم الاتجاه السائد، ولم يكن معدل التضخم السالب يمثل اتجاها بل انعكاسا ــ "مرآة" ــ لبعض الإصلاحات الاقتصادية السارية.
ما يؤكد ما نذهب إليه في هذه الكلمة هو تحول اتجاه التضخم من السالب إلى الموجب خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أي مع نهاية عام 2017. وقد جاء الارتفاع في التضخم بدعم من ستة أقسام رئيسة وهي: التبغ والتعليم والسلع والخدمات المتنوعة والصحة والأغذية والمشروبات. هذا التغير في اتجاه التضخم جاء نتيجة عودة الإنفاق الحكومي إضافة إلى إعلان الحكومة عن حزمة دعم للقطاع الخاص بنحو 200 مليار ريال. فالاتجاه السالب الذي طغى على الاقتصاد في بدايات عام 2017 كان يعود في جزء كبير منه إلى سياسات اقتصادية وليس إلى مشكلات هيكلية، ولهذا فعندما عادت الحكومة وغيرت من سياساتها الاقتصادية وتوسعت في الإنفاق عادت الصورة إلى الاتجاه الطبيعي. وعلى الرغم من أن التضخم الموجب يعني ارتفاعا في الأسعار لكنه في جوهره عودة النمو الاقتصادي وعودة الطلب الفعال على السلع والخدمات، وهذا يعني قدرة شرائية أفضل، لكن مرة أخرى يجب أن تتم قراءة اتجاه التغير في التضخم خلال العام الحالي بشكل صحيح، فكثير من الأسعار ستستجيب للارتفاع بسبب أسعار الطاقة وبسبب الضرائب سواء الانتقائية أو المضافة، وهذا سيرفع من معدل التضخم بنسب قد تبدو قياسية مقارنة بما حصل في أعوام سابقة، هذا التضخم المرتفع ليس أيضا بسبب مشاكل هيكلية، أو ناتجا من ضعف في القوة الشرائية للريال، ولهذا فلن يكون بحاجة إلى معالجات حادة مثل تعديل سعر الفائدة أو كبح جماح التمويل.

إنشرها