التعليم العالي .. مصدر من مصادر الدخل الوطني

|

يعتبر التعليم العالي بمنزلة الواجهة المشرقة في كل دول العالم المتقدم، وحينما كانت الحضارة الإسلامية تشع في ربوع عالمنا الإسلامي كانت الجامعات في الأندلس تشع بأنوارها على أوروبا المظلمة، وحينما انطفأ نور هذه الجامعات انطفأت الحضارة الإسلامية التي كانت حضارة تضيء للكون كله طريق الحياة والتقدم والنهضة.
واليوم التعليم العالي يزين التقدم في العالم المتقدم، وأصبحت مجموعة من الجامعات في أوروبا وأمريكا تحتفظ بالألقاب العلمية والعالمية وتكتشف العالم وترسم ملامح الحياة الجديدة في هذا الكون الفسيح.
من ناحيتنا نستطيع القول إن التعليم الجامعي في المملكة حقق في السنوات القليلة الماضية تقدما ملحوظا في الشكل والمضمون، ونلاحظ جميعا أن هناك عمليات بناء واسعة للكليات والمنشآت الجامعية في كل الجامعات السعودية، وكنت أتمنى أن تأتي عمليات الإنشاء والتشييد ضمن خطة متكاملة في المنشآت والمناهج معا هدفها استخدام التعليم الجامعي كوسيلة من وسائل استثمار الموارد الجامعية. إن بعض الدول المتقدمة تستخدم التعليم الجامعي كوعاء من أوعية الاستثمار، وتسعى إلى جذب الطلاب للدراسة الجامعية في جامعاتها العريقة مقابل رسوم تعليمية عالية نسبيا ومصاريف يومية وشهرية يصرفها الطلاب إبان السنوات التي يقضونها في التحصيل العلمي.
ونذكر على سبيل المثال أن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى وكندا ثم انضمت إليها أخيرا أستراليا ترى أن التعليم الجامعي مصدر من مصادر الدخل القومي، وتسعى هذه الدول إلى تطوير وتحسين الجامعات حتى تستقطب مزيدا من الطلاب الأجانب المبتعثين للدراسة في جامعاتها المتقدمة.
ولذلك حينما انفجرت أحداث 9/11 أصدرت الولايات المتحدة قرارات أمنية معيقة لتأشيرات الطلاب السعوديين، وأسفرت هذه القرارات عن تقلص أعداد الطلبة السعوديين في الولايات المتحدة، وإزاء ذلك اشتكت آلاف الجامعات الأمريكية من انخفاض هائل في إيراداتها ما أقعدها عن تنفيذ برامجها التعليمية المتقدمة.
وفى المقابل اتخذت الجامعات الأسترالية مجموعة من الإجراءات المقننة التي تحفز الطلاب السعوديين لتغيير وجهتهم من أوروبا وأمريكا والالتحاق بالجامعات الأسترالية، كما أن الجامعات البريطانية لم تنتظر طويلا فأصدرت تعليمات جديدة لتسهيل التحاق الطلاب السعوديين بالجامعات البريطانية.
إن الدول المتقدمة لا تنظر إلى التعليم الجامعي من باب الاستثمار الاقتصادي فحسب، وإنما تنظر إليه لتحقيق مغانم سياسية وثقافية أيضا وبالذات مع الدول التي لها مصالح استراتيجية مشتركة.
وفى إجازتي السنوية التي قضيتها في بريطانيا في العام الماضي لاحظت أن الجامعات البريطانية تتسابق على بناء مدن جامعية تراعي في تنفيذها كل شروط البيئة النظيفة، ولقد زرت عدة جامعات ومنها جامعة نوتنجهام المرموقة، ولاحظت أن جامعة نوتنجهام بنت "كامبس" جديدا طبقت في تنفيذه كل شروط البيئة النظيفة سواء في مواد البناء وفى تصميم الفراغات حتى ملاحق التشييدات، كما أن الجامعة استخدمت الطاقة الشمسية على نطاق واسع في الإضاءة، ولم تستخدم البترول ومشتقاته، لأنه يلحق أضرارا بالبيئة، ويبدو أن الجامعة وهي بصدد تنفيذ مشاريعها الجديدة تريد أن تثبت بالأدلة والبراهين الواقعية أنها تقرن النظرية بالتطبيق وأن ما يدرسه الطلاب من نظريات علمية تطبقه الجامعة على أرض الواقع في مشاريعها التطويرية.
وتقدر الحكومة البريطانية أن عدد الطلاب الأجانب الذين يدرسون في بريطانيا بـ400 ألف طالب وطالبة، وتقدر قيمة الإيرادات السنوية من التعليم للأجانب بنحو 15 مليار جنيه استرليني، وتسعى الحكومة البريطانية إلى تحقيق زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الأجانب الذين يدرسون في جامعاتها في السنوات المقبلة، وتنظر الحكومة البريطانية إلى الطلاب الأجانب على أنهم مصدر قيمة دائمة، فهم يأخذون معهم صداقات وولاءات إلى أوطانهم يستفاد منها في المستقبل على شكل روابط تجارية وثقافية ودبلوماسية، بمعنى أن استقطاب طلاب أكثر اليوم يعني علاقات أقوى في المستقبل، ولذلك فإن بريطانيا تسعى دائما إلى كسب الجيل التالي من صناع الرأي في دول العالم الثالث.
من ناحيتها، فإن أستراليا تحرص على كسب حصة في سوق التعليم الدولية وأعلنت الحكومة الأسترالية تحريرا شاملا لقواعد التأشيرات الخاصة بالطلاب الأجانب.
ونحن في المملكة لدينا نحو 25 جامعة وعشرات الكليات الفنية التي تعنى بالتعليم الفني، وأزعم أن الطلب على التعليم الجامعي بكل مستوياته وتخصصاته عال جدا في المنطقة العربية. وإذا كان الطلب على التعليم الجامعي عاليا على مستوى الدول العربية، فإنه على مستوى دول الخليج أكثر من ذلك بكثير، وهذه الدول تضع المملكة كخيار أول، ولذلك أمام الجامعات السعودية فرص كي تجذب الطلاب الخليجيين، ونحن في أمس الحاجة إلى بناء الولاءات في منطقة الخليج، لأن الطرح الأجنبي الذي يطرح الآن على الصعيدين السياسي والثقافي في منطقة الخليج يجب أن يقلقنا، ويجب أن يحفزنا إلى تصميم سياسات تستهدف بناء الولاءات مع الأجيال القادمة في دول الخليج عن طريق استقطاب الطلاب الخليجيين في الجامعات السعودية.
ولكن من المآخذ التي تؤخذ على جامعاتنا قضية المناهج، وحتى نجذب الطلاب الأجانب إلى جامعاتنا فإنه يجب ألا نحشو المناهج بدروس لا تتوافق مع حاجات الطلاب الأجانب، كما يجب ألا نمنع ــ دون مبرر علمي ــ تدريس علوم المنطق والفلسفة وغيرهما من العلوم بدعاوى وتفسيرات غير علمية، وهو تدخل غريب في علوم تدرس في كل جامعات العالم، يجب أن نترك المقررات العلمية لحاجات الإنسان واحتياجاته العلمية ولا نخلطها بمبررات ذاتية ليس لها سند علمي مقبول، لأن تقرير المواد العلمية لا يرتهن بمبررات غير علمية، وإنما يرتهن بالاحتياج العلمي المتخصص.
أؤكد أن الجامعات السعودية مؤهلة حاليا كي تكون موردا من موارد الدخل الوطني، وحان الوقت كي نبني الفرص ونسهل شروط الالتحاق بجامعاتنا السعودية أمام شبابنا الخليجي والعربي.

إنشرها