FINANCIAL TIMES

تنين الصين.. هل يحيل إفريقيا إلى حقل للتجارب؟ «1-2»

جهود بكين القوية في إفريقيا من شأنها تغيير محور قارة بأكملها، وبينما يرى كثيرون في الغرب في ذلك مصدرا لعدم الاستقرار أو لفرض الهمينة على أقل تقدير، فإن الدولة الصينية تلمح إلى أنها تستحدث فرصا متعاظمة للأعمال في قارة واعدة من جهة ومهملة من الأخرى، علاوة على أنها ترى في ذلك أفضل آلية لتحقيق مزيد من النفوذ الجيوسياسي عبر الشراكات الاقتصادية والاستثمارات التجارية في ما وراء البحار، بما يخدم استراتيجية الطريق والحزام الواحد، الذي تراهن عليه الصين للانتشار عبر التجارة في العالم.
على جزيرة بات، قبالة ساحل شمالي كينيا، هناك أفارقة من ذوي بشرة فاتحة لديهم ملامح صينية، ولا تخلو مناطقهم المأهولة من قطع من الخزف الصيني القديم، بل إن هناك مكان اسمه " شانجا الجديدة"، في إشارة إلى ارتباط شبه أسطوري بالصين، حسب السائد في المنطقة.
كل ذلك يرجح قصة محلية تقول إن بحارة من الصين كانت قد تحطمت سفينتهم، وهي من ضمن أسطول تشنغ هو - مستكشف صيني مسلم معروف بأنه قد جاب أعالي البحار في القرن الخامس عشر – فعمدوا إلى الاستقرار في الجزيرة منذ قرون عديدة، في تاريخ سبق وضع كريستفور كولومبوس قدمه في جزر الكاريبي، واستطراداً القارة الأمريكية.
وسواء أكان هناك أحفاد لطاقم الربان الصيني العظيم في كينيا أم لا، تشير السجلات إلى أن سفنا ضخمة وصلت إلى ساحل إفريقيا الشرقية منذ أكثر من 500 عام، وذلك لمبادلة الكنوز الصينية مقابل أشياء غريبة مثل العاج والنعام وحمر الوحش.
والواقع أن هناك تاريخا طويلا من الاتصال بين الصين وإفريقيا، تم تدعيمه تحت حكم ماو تسى تونج في الستينيات من القرن الماضي، من خلال التضامن مع حركات التحرر الوطني المناهضة للاستعمار، وتقديم الدعم لبناء الأعمال الهندسية للبني التحتية في البلدان النامية، ولا سيما خط سكة حديد تانزام الذي يبلغ طوله 1860 كيلومترا، الذي يربط بين زامبيا، الدولة الكائنة في الجنوب الإفريقي والمقفلة، التي تعد من ضمن أكبر الدول المصدرة للنحاس في العالم، مع الساحل التنزاني على المحيط الهندي.
بيد أنه في السنوات الـ 15 الماضية، مستوى مشاركة الشركات الصينية المملوكة للدولة والقادة السياسيين والدبلوماسيين وأصحاب المشاريع، أدى إلى تضاؤل أهمية قرون من الاتصال السابق وآثارها.
العلاقات الصينية الإفريقية - هي في جزء منها عفوية، وفي جزء آخر من ثمار جهود مدبرة من بكين – تحول المحور التجاري والجيوسياسي لقارة بأكملها، سبق أن تخلت عنها حكومات غربية كثيرة.
وبينما ينظر الأوروبيون والأمريكيون إلى إفريقيا على أنها مصدر مقلق لعدم الاستقرار والهجرة والإرهاب - وبالطبع للمعادن الثمينة - ترى الصين أن هناك فرصا متاحة واسعة في القارة.
لدى إفريقيا النفط والنحاس والكوبالت وخام الحديد. ولديها أسواق لشركات التصنيع الصينية وشركات البناء. ولعل أقلها تفهما أنها وسيلة واعدة للنفوذ الجيوسياسي الصيني.
جينج قو، مديرة مركز القوى الصاعدة والتنمية العالمية في مركز في شرقي ساسكس، التي تقارن علاقات بكين الجيدة في معظمها بالحكومات الإفريقية، من جهة، والعلاقات المتوترة مع جيرانها من طوكيو إلى هانوي، تقول: " إن وجود 54 دولة صديقة من الدول الإفريقية، أمر مهم جدا بالنسبة للصين".
كثيرون، بما في ذلك بعض الأفارقة، متشككون فيما يرونه مجرد مشروع كبير يمهد الطريق أم الاستيلاء على الأراضي من قبل الاستعمار الجديد، الذي تمثله الصين هذه المرة، حيث تعمل الشركات كوكلاء للدولة الصينية لاستخراج المعادن مقابل تأسيس بنى تحتية ومالية، من شأنها أن ترهق الحكومات بديون كبيرة.
كثيرا ما كان سلوك الممثلين الصينيين في إفريقيا، على نحو مشترك مع الجهات الفاعلة في الغرب، دون المستوى المثالي. وكانت هناك شكاوى مشروعة حول الشركات الصينية التي توظف عددا قليلا من السكان المحليين، وتسيء معاملة الموظفين الذين يعملون لديها، ولا تكاد أن تولي البيئة الحد الأدنى الاسمي من الاهتمام، ناهيك عن الالتفات إلى انتهاكات حقوق الإنسان.
ومع ذلك، فإن هناك اعترافا على مضض بأن الصين أفادت إفريقيا على الأغلب، وأن المشاركين معها في القارة قد تعلموا دروسا.

ورشة عمل لتوليد الأفكار
انخراط بكين مع إفريقيا هو علاقة متعددة الطبقات أكثر مما هو معترف به في كثير من الأحيان. الصين، كما تقول السيدة جينج، استخدمت إفريقيا كحقل تجارب لطموحاتها الدولية المتنامية، سواء من خلال بعثات حفظ السلام أو تأسيس البنى التحتية من شاكلة الطرق والموانئ والسكك الحديدية، التي تهدف إلى ربط الكثير من العالم النامي عبر طريق الحرير الجديد إلى الصين.
هوارد فرينتش، يزعم في كتابه: "القارة الثانية للصين"، يدرس خبرة نحو مليون صيني من أصحاب المشاريع ااستقروا في إفريقيا، ويوافق على هذا الرأي. إفريقيا هي حقل يمكن فيه للصين أن تجرب أشياء مختلفة، في بيئة منخفضة الخطورة جدا"، كما يقول. "إفريقيا هي ورشة عمل لأفكار لها الآن نطاق أكبر بكثير، وأهمية استراتيجية فائقة". هناك من الأرقام على قلتها ما يوضح بجلاء هذا التحول. في عام 2000، كانت التجارة بين الصين وإفريقيا مجرد 10 مليارات دولار، وفقا لمبادرة بحوث الصين الإفريقية في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن.
بحلول عام 2014، ارتفع ذلك بأكثر من 20 ضعفا ليصل إلى 220 مليار دولار، على الرغم من تراجعه بسبب انخفاض أسعار السلع الأساسية. خلال تلك الفترة، ارتفعت مخزونات الاستثمار المباشر الأجنبي في الصين من 2 في المائة فقط من مستويات الولايات المتحدة إلى 55 في المائة، مع استثمارات جديدة يجري تقديمها بقيمة مليارات الدولارات كل سنة. تسهم الصين بنحو سدس جميع القروض لإفريقيا، وفقا لدراسة أجرتها مؤسسة جون ل ثورنتون للصين في معهد بروكينجز.
ومن المؤكد أن ما جذب الصين هو موارد إفريقيا الوفيرة: النفط من أنغولا ونيجيريا والسودان وجنوب السودان، والنحاس من زامبيا والكونغو الديمقراطية واليورانيوم من ناميبيا، ولربما من النيجر.
في الأشهر الأخيرة، يبدو أن الشركات الصينية بذلت جهودا لاحتكار سوق الكوبالت، الذي يعد في مقدمة المواد الضرورية لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، مع عمليات شراء بمليارات الدولارات لحصص في مناجم في الكونغو، أكبر منتج له في العالم.
من ليبيا وزامبيا إلى غانا وموزامبيق، اكتسبت الشركات الصينية سمعة طيبة في عمليات الاستخراج الجامح، سواء لأخشاب الغابات القديمة أو النفط أو الذهب أو العاج، وإن شاب ذلك أن النشاط في أقسام منه، غير القانوني.
ومع ذلك، فإن العلاقة الناشئة بين الصين وإفريقيا تتجاوز كثيرا السلع الأساسية. أحد أكثر وجهات الاستثمار الصيني أهمية في إفريقيا هي: إثيوبيا. هذا البلد الذي يقع في القرن الإفريقي، بلد فقير في معظمه ويبلغ عدد سكانه 100 مليون شخص، ولطالما دهمته كوارث المجاعات، بانتظام.
ولما كانت الدولة في إثيوبيا تسعى إلى التحرر من العوز من خلال التنمية الاقتصادية-الاجتماعية، بصورة براجماتية، فإنها تتفق إلى حد كبير مع نفس المقاربة التي تقودها الصين، وإن شئت فإنها التنمية الإثيوبية على طريقة الدولة الصينية. ولا تملك إثيوبيا سوى القليل من الموارد التي تهم الصين بخلاف موقعها الاستراتيجي وسوق كبيرة محتملة لاستقبال الواردات الرخيصة والاستهلاك، ولعل ما يشفع للصين في ذلك ما يتبين من النمو السريع للاقتصاد الإثيوبي، في السنوات الخمس عشرة الماضية، حتى أن معدلاته تجاوزت كونها مستدامة إلى متزايدة، بإطراد.
منذ عام 2000، كانت إثيوبيا ثاني أكبر مستفيد من القروض الصينية لإفريقيا، حيث بلغ تمويل السدود والطرق والسكك الحديدية ومصانع التصنيع أكثر من 12.3 مليار دولار، وفقا لما ذكره الباحثون في جامعة جونز هوبكنز.
وهذا يزيد على ضعف المبلغ المعار للسودان الذي كان غارقاً في النفط (قبل انفصال دولة جنوب السودان) والكونغو الغنية بالمعادن. في الواقع هناك جزء أكبر بكثير من الاستثمارات المباشرة الأمريكية - 66 في المائة مقابل 28 في المائة للصين – تذهب إلى التعدين.
تجذرت العلاقات الصينية الإفريقية في مناطق أخرى. تجدر الإشارة إلى أن بكين لديها 52 بعثة دبلوماسية في العواصم الإفريقية، في حين أن لدى واشنطن 49 بعثة، فحسب. من بين الأعضاء الخمسة في مجلس الأمن الدولي، تمتلك الصين أكبر عدد من قوات حفظ السلام في القارة، مع نشر أكثر من ألفي جندي في الكونغو وليبيريا ومالي والسودان وجنوب السودان.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES