المشراق

كنز ثمار سيدة الشجر.. بين الجصة والعيبة والمنقولة

قال الشاعر أبو جراح السبيعي، محمد بن حمد بن إسماعيل، راعي أشيقر:
اموالنا اللي راسياتٍ بالاصلاب
تقرى الضيوف وغرمنا شايلاته
ماهيب جربٍ بين كاسب ونهّاب
عليها ابن دبلان يقرع قناته

يقصد أن النخيل راسية في أعماق الأرض وأنهم يقدمون تمرها طعاماً للضيوف، ويبيعون ما فضل عن حاجتهم من تمرها، ويقضون دَينهم. ويقول شاعر آخر عن النخل. ويقارن بين النخل والإبل، وأن الإبل عرضة للإصابة بالجرب، وعرضة للسلب والنهب، وأشياء أخرى. ويقول شاعر نبطي آخر في نفس المعنى:
المغنيات الخيل والمال النخلْ
هن الحلال اللي تعز بها الرجالْ
واحذر تتوبع للطلي هو والفحلْ
ان طار عن صم المراهيم الجلالْ
وعيب الرجال الكذب هو ويا البخلْ
وعز الرجال الطيب وان حل المجالْ
والنخلة شجرة التمر، وسيِّدة الشجر، طيبة مباركة، تعلق بها العربي منذ القدم لأهميتها، وزادت قيمتها بعد الإسلام لتعدد ذكرها في القرآن الكريم والسنة النبوية. جاء في الموسوعة العربية أنها تسمى شجرة العرب وشجرة الحياة في المناطق القاحلة، وأنها تعد "من أقدم الأشجار المثمرة في العالم، مستديمة الخضرة وطويلة العمر، والعرب من الشعوب التي بينها وبين النخيل والتمر علاقة حميمة منذ قديم الزمن ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالحضارتين العربية والإسلامية وتراثهما، ليس لأن أراضيهم هي من أنسب الأراضي لزراعته، بل أيضاً لكثرة ذكره في القرآن الكريم والحديث الشريف، وللفوائد العديدة لثماره، إذْ يعدّ وجبة كاملة تضم ما يحتاج إليه جسم الإنسان من عناصر مختلفة. فقد ورد ذكر النخيل في 26 آية قرآنية موزعة على 16 سورة".
والتمور ثمرة النخيل، معروفة بقيمتها الغذائية العالية، وقد اعتمد العرب قديما في حياتهم اليومية عليها، ووردت كثيراً في أشعارهم وأخبارهم.

كنز التمر
وأشهر طريقة لحفظ التمور هي الكنز، ولا زالت متبعة حتى الآن. ورد في كتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ): "والكَنيز: التمر الذي يُكْتَنَزُ للشتاء في قواصر وأوعية، والفعل: الاكتناز". وذكر الفراهيدي أنه يكتنز للشتاء لأن التمر ثمرة صيفية. وجاء عند ابن منظور في "لسان العرب" ما نصه: "ومِرْبد التمر: جَرِينه الذي يوضع فيه بعد الجداد لييبس؛ قال سيببويه: هو اسم كالمَطْبَخ وإِنما مثله به لأَن الطبخ تيبيس؛ قال أَبو عبيد: والمربد أَيضاً موضع التمر مثل الجرين، فالمربد بلغة أَهل الحجاز والجرين لهم أَيضاً، والأَنْدَر لأَهل الشام، والبَيْدَر لأَهل العراق؛ قال الجوهري: وأَهل المدينة يسمون الموضع الذي يجفف فيه التمر لينشف مربداً، وهو المِسْطَح والجرين في لغة أَهل نجد، والمربد للتمر كالبيدَر للحنطة؛ وفي الحديث: حتى يقوم أَبو لبابة يسد ثعلب مِربده بإِزاره؛ يعني موضع تمره. ورَبد الرجلُ إذا كنز التمر في الربائد وهو الكراحات وتمر رَبِيد: نُضِّدَ في الجرار أَو في الحُب ثم نضح بالماء". ويذكر ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث والأثر" مسميات التمور حسب حالها فيقول: "ثمر: فيه لا قَطْع في ثَمر ولا كَثَر الثمر: الرُّطَب، مادام في رأس النخلة، فإذا قطع فهو الرُّطب، فإذا كُنِز فهو التَّمر. والكَنَز: الجُمَّار. وواحد الثَّمر ثَمرَة، وَيقَع على كلّ الثّمار، ويَغْلب عَلَى ثمر النَّخْل".

طرق الكنز
أما عن طرق كنز التمر فقد فصلت "موسوعة الثقافة التقليدية" ذلك على النحو الآتي: الكنز هو رص التمر بعضه فوق بعض في أماكن وأوان معدة لذلك. ومن أشهر طرق كنز التمر رصه داخل الجصص أو الأحواض. والجصص جمع جصة وهي بناء صغير على شكل غرفة تبنى داخل إحدى غرف المنزل الداخلية. وترتفع الجصة نحو متر ونصف، ويبلغ طولها وعرضها نحو مترين تقريباً. وتبنى الجصة من الأحجار والطين وتكسى من الداخل بطبقة من الجص، ومن ذلك أخذت اسمها. ويكون للجصة باب صغير في أعلاها منه توضع التمور فيها ويرص بعضها على بعض. ويكون في أسفل الجصة ثقب أو مجرى صغير يخرج منه الدبس، وهو يسمى مكحلة "جمعها مكاحل"، ويصنع من الخشب، وطوله نحو 20 سنتيمتر تقريباً، وسمكه بوصة، وهو مدبب في وسطه، ويثبت في أسفل الجصة. ويكون في الجصة عادة مكحلتان، يصبان في إناء وسط حوض المدبسة، وكلما امتلأ الإناء بالدبس أعيد صبه في الجصة حتى يغلظ قوامه ويصبح أكثر تركيزاً، لأن التمر قد يغسل في بعض الأحيان، لإزالة ما عليه من الأتربة أو لتليينه إن كان ناشفاً، ويسمى غطوط ويصب في حوض صغير يعرف بالمدبسة يغرف منها الدبس على قدر الحاجة. وجاء ذكر الدبس في أمثالهم؛ "الدبس ما يعلق إلا بشارب لاحسه" ويضرب المثل في أن الأمر لا يحني ثماره إلا من باشره. وقالوا "طاح في جفرة الدبس" طاح: حصل عليها أو وصل إليها، وجفرة الدبس التي يتجمع فيها الدبس قرب الجصة أو حوض التمر، ويعني المثل أنه وصل إلى موضع الخير أو أن حظه جمع له الخير كله. ولتسهيل تسرب الدبس من الجصة إلى المدبسة، يراعى دائماً أن تكون أرضية الجصة مائلة نحو المدبسة. وللسبب نفسه ولوقاية التمر من الاختلاط بالأتربة، التي قد تتجمع في أسفل الجصة، توضع عادة مجموعة من جريد النخل وسعفه في أسفل الجصة، ثم توضع التمور فوقها. وعندما تمتلئ الجصة بالتمور، ترص بقطع من الحجارة الكبيرة حتى تزيد من تراص التمر، وتمنع دخول الهواء داخله. وجدير بالذكر أن الجصة أحياناً قد يكون حجمها كبيراً، بل قد تكون غرفة كاملة، وفي هذه الحالة تسمى بالرميلة.
عند كنز التمر في الأحواض، توضع مجموعة من الأحواض في إحدى الغرف شبيهة بأحواض تخزين القمح والحبوب، وتطلى من الداخل أيضاً بالجص وعجينة رخوة، قوامها التمر المطبوخ ومعه الملح حتى يصان التمر من التسوس والتلف، ثم توضع فيها التمور وترص، وتسمى في الأحساء الكندُوج.
وتشبه الأحواض في بعض المناطق الجصة، في أن لها فتحة في أسفلها يخرج منها الدبس تدعى المجيبة، ينطلق منها الدبس ويتجمع في حوض التجميع "المشروب، وجمعه مشاريب". وفي مناطق أخرى لا توضع هذه الفتحة فيبقى الدبس داخل الحوض. ومن فوائد الأحواض أن المزارع يستطيع أن يضع كل صنف من التمور في أحد الأحواض، وهو أمر متعذر عندما يستخدم الجصة إذ لا يكنز فيها سوى نوع واحد، ما لم يكن لديه أكثر من جصة واحدة. ورغم أن الشائع في حفظ التمور في الأحواض أن يوضع التمر فيها مباشرة ويرص، فإن الأمر ليس كذلك في جميع الأحوال. ففي بعض المناطق كالأحساء، لا يوضع التمر أحياناً في الحوض "الكندوج" مباشرة، بل يرص داخل خصاف منسوجة من سعف النخيل، ثم ترص هذه الخصاف فوق بعضها في الكندوج والخصفة هي القلة وجمعها قلال وقد يكنز التمر في شن فيسمى مجازاً خصفة. وجاء في لسان العرب "والخصفة، بالتحريك: جَلّة التمر التي تعمل من الخوص، وقيل: هي البحرانية من الجلال خاصةً، وجمعها خصف وخصاف".
والمزارع يحسن تدبير استخدام الجصة، في تخزين أكثر من صنف، تبعاً لعادة استهلاك الصنف، حيث يوضع الخلاص في الأسفل وفوقه الرزيز، لأن العادة أكل الرزيز قبل الخلاص.
وفي المنطقة الوسطى تستخدم المنقولة أيضاً لكنز التمر وتخزينه، وهي وعاء كبير بيضيّ الشكل، يصنع من الطين والآجر، لها قاعدة دائرية، وفوهة دائرية أيضاً.
وتستخدم طرق أخرى لكنز التمر، خاصة عند الحاجة إلى نقله من مكان إلى آخر، كما حال البادية، أو عند الحاجة إلى بيعه على هذه الحال. ومن أهم أواني كنز التمر في هذه الحالات استخدام الخصاف "القلال"، والخصفة "القلة" عبارة عن نسيج من خوص النخل يبطن من الخارج بغطاء من الخيش أو نحوه. وهذه الوسيلة لكنز التمر من الطرق المشهورة في محافظتي الأحساء والقطيف، وكذا لدى أفراد البادية.
كما تستخدم العيبة أيضاً لكنز التمر، خاصة لدى البادية، والعيبة وعاء جلدي كبير مصنوع من جلود الإبل المدبوغة، ومخروز بسير من نوع الجلد نفسه وهي من الأواني الجيدة لحفظ التمر ودبسه.
وفي نجران يستخدمون إناءً مشابهاً مصنوعاً من جلد الماعز، أو الضأن يدعى شُطَفْ، وتسمى عملية كنز التمر داخله رَجيزْ، ويقولون "يرجز التمر" أي يكبسه في هذه الأوعية الجلدية، ويأكل منه طوال العام، ويبيع ما يزيد عن حاجته في الأسواق الأسبوعية القريبة.
وتستخدم أوانٍ أخرى لكنز التمر في بعض المناطق، لكن على نطاق ضيق. فمن ذلك القرب والقدور والأواني الفخارية والصفائح المعدنية "التنك" والبراميل والصناديق الخشبية وغيرها.
ومن الأواني المعروفة لحفظ التمر وكنزه في منطقة المدينة المنورة والمناطق المجاورة، ما يسمى الفاخور، وهو قلة مصنوعة من الفخار.
والفاخور إناء أكبر من البرميل، له رقبة تعلوه ويوضع التمر فيه، ويرص ثم تغطى فتحة الرقبة بخيشة وتسد بكمية من الطين أو التمر المعبوط، حتى يبقى الفاخور معزولاً عن الهواء.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق