FINANCIAL TIMES

ضياع خمس أراضي اليابان جراء نزاعات قدامى الورثة

السيناريو كان حلماً لأي مالك لقطعة الأرض. هناك طريق رئيسة جديدة كانت متجهة إلى طوكيو الكبرى، ورقعة صغيرة من عشب رقيق لا تصلح لأي شيء آخر، تقع مباشرة في طريقها.
مع قليل من الإقدام ومحام متمكن، سيتعين على وزارة النقل اليابانية أن تدفع سعرا لا بأس به للقطعة المذكورة.
في الواقع، يقول أويشيرو ماسوموتو من مكتب الأراضي والبناء في الوزارة، إن وجود مالك عنيد لقطعة الأرض كان سيشكل خبرا رائعا.
الواقع كان أسوأ بكثير: لم يكُن هناك مالك للأرض. قطعة الأرض المعنية سُجّلت آخر مرة في عام 1904 لمصلحة امرأة ولدت في وقت ما، في عهد الإمبراطور ميجي.
البيروقراطيون أخذوا ينقبون في الأرشيف. وفي نهاية المطاف خرجوا بقائمة تشتمل على 148 وريثا - الأمر الذي كان بداية مشكلاتهم، لأن ثمانية منهم هاجروا من قبل.
بعد نحو 200 رسالة ومقابلة في وقت لاحق، أوقفت الحكومة مساعيها. صدر أمر من إحدى المحاكم سمح لها بالمضي قدماً في شق الطريق، ربما على أساس تغليب المصلحة العامة على الخاصة، أو على أساس مفهوم التقادم القانوني. عموماً، تلك العملية المعقدة، استغرقت ثلاثة أعوام من الشد والجذب بين المتنازعين.
عقبة الطريق التي تحدث عنها ماسوموتو هي مجرد مظهر واحد من مظاهر مشكلة متزايدة في اليابان الحضرية المكتظة بمجموعة هائلة من السكان كبار السن. الأرض التي كانت فيما مضى بمثابة كنز إقطاعي، ولا تزال محمية بحقوق ملكية لا تتزعزع، هي الآن بلا قيمة، بحيث أن مالكيها باتوا يهربون، منها.
هناك أكثر من 20 في المائة من أراضي اليابان، أي منطقة بحجم الدنمارك، ليس لديها مالك يُمكن الاتصال به بسهولة. بحلول عام 2040 المنطقة المتوقعة ستكون أكبر من جمهورية إيرلندا. هذا كابوس متوسع للحكومة، وصناعة البناء والعقارات، لأنه إذا لم يعرف أحد من يملك الأرض، عندها لن يتمكن أحد من استخدامها، باستثناء الذين يتخلصون من النفايات.
الطرق الحرجية تظل غير مستغلة، ومحطات الطاقة الشمسية تبقى دون بناء والضرائب لا تُجمع. وفقاً لمجموعة عمل في القطاع الخاص عن الأراضي غير المملوكة، بحلول عام 2040 سترتفع التكلفة الاقتصادية السنوية من 180 مليار ين (1.6 مليار دولار) إلى 310 مليارات ين.
يقول هيرويا ماسودا، رئيس مجموعة العمل وحاكم سابق لمحافظة إيوات: "حتى الآن، في الوقت الذي ازدهر فيه السكان في هذه الجزر الضيقة، كل جزء من الأرض كان ثميناً. إلا أنه مع انخفاض عدد السكان، باتت هناك أراض أكثر بكثير دون فرصة لاستخدامها".
انخفض عدد سكان اليابان بنحو 403 آلاف شخص في عام 2017. وفقاً للاتجاهات السكانية والمؤشرات الديموغرافية المستخلصة من الأوضاع الحالية، سينخفض من 126.5 مليون إلى 88 مليونا بحلول عام 2065 و51 مليونا فقط بحلول عام 2115. الانخفاض أسرع في المناطق الريفية، حيث المحافظات الشمالية مثل أوموري وأكيتا وإيوات تفقد نحو 1 في المائة من سكانها كل عام. الأراضي التي دون مالك كانت بمثابة مشكلة كبيرة بعد إعصار تسونامي في عام 2011، كما يقول ماسودا، عندما حاولت إيوات العثور على مساحة للمنازل المؤقتة.
ويشير إلى تجربته في محاولة بناء طريق محافظات فقط ليجد أن الوريث قد هاجر إلى البرازيل في الخمسينيات. محاولة السفارة اليابانية في برازيليا للعثور على الشخص لم تصل إلى نتيجة. يقول: "في النهاية، استسلمنا وحوّلنا الطريق".
الحقول الصغيرة في الوديان المعزولة، أو غابات الجبال شديدة الانحدار في المناطق الداخلية، أو الأراضي السكنية في المناطق: لا يساوي أي منها الكثير الآن.
يقول ماسودا: "إذا كنت تملك أو ورثتَ أرضاً، وليس لديك طريق لاستخدامها، عندها فإنها تُشكّل عبئاً. يجب أن تدفع الضرائب على الأصول، ويجب أن ترعاها. هناك عدد متزايد من الحالات لأشخاص يتوسلون شخصاً ما لأخذ أرضهم - حتى مجاناً".
هذا العام، سيُقدّم البرلمان الياباني أول حلوله: إصدار قانون يسمح للهيئات العامة بالاستفادة من الأراضي غير المملوكة، من خلال عقود إيجار تتجدد تلقائياً كل خمسة أعوام، مع دفع الإيجار لصندوق ائتمان من أجل أي مالك يأتي للمطالبة به. هذا من شأنه حل مشكلة الطرق.
لن يفعل شيئا لمعالجة مشكلة الأراضي الأساسية التي دون مالك مُحدد، كما تقول شوكو يوشيهارا من مؤسسة طوكيو، وهي مؤسسة فكرية. تقول: "الأمر ليس أنه لا يوجد مالك على الإطلاق. كل ما في الأمر أن من الصعب العثور عليه".
جذور المشكلة تكمُن في النظام القانوني في اليابان. تسجيل الأراضي ليس إلزامياً؛ لكنه إجراء قانون مدني يهدف إلى السماح للمالكين بحماية حقوق ملكيتهم واستخدامها كضمان. الأرض التي لم تُسجل ليست مفقودة، لكنها ببساطة غير مسجلة.
عندما كانت جميع الأرضي ذات قيمة، قام جميع المالكين بتسجيلها، لكن الورثة الذين ورثوا قطع أراض بلا قيمة ليس لديهم سبب لتسجيل مصلحتهم حتى يتمكن جابي الضرائب ببساطة من معرفة أين يجدهم. عند إضافة قانون ميراث على غرار فرنسا وألمانيا، الذي يمنح جميع الأطفال حصة قانونية من أصول آبائهم، فإن ملكية الأراضي تُصبح بسرعة معتمة بشكل ميؤوس منه. تسجيل الأراضي الإلزامي هو أحد الخيارات التي تنظر فيها الحكومة. مع ذلك، تشك يوشيهارا أن حتى هذا يُمكن أن يحل المشكلة، نظرا إلى التكاليف المترتبة على ذلك. تتساءل: "حتى لو كان واجباً - إذا لم يكُن منطقياً من الناحية المالية، هل سيُطيع الجميع القواعد؟"
الجواب النهائي قد ينطوي على شيء أكثر عمقاً: تحوّل جوهري في الطريقة التي يرتبط بها الشعب الياباني بوطنهم من الجزر الجبلية.
يقول ماسودا: "حتى قبل 30 عاماً، كان الناس يعتبرون الأرض بمثابة أفضل الأصول على الإطلاق، شيء دائماً ما يزيد من حيث القيمة. في الآونة الأخيرة، مع انخفاض عدد السكان، تغير الموقف نحو الأراضي.
النظام لم يتطور معه. ما نحتاج إليه ليس تغييراً طفيفاً، لكن تحوّل تام في النموذج".
مثل هذا التحوّل يُمكن أن ينطوي على ما تدعوه يوشيهارا "وعاء" لأراضي اليابان غير المرغوب فيها.
تقول: "عندما يملك شخص كبير في السن جبلا أو حقلا، ويكون أطفاله قد انتقلوا إلى طوكيو، نحتاج إلى توفير مزيد من الخيارات".
في الوقت الحالي، عادةً ما ترفض الحكومات المحلية قبول هبات الأراضي التي بلا قيمة، بسبب المسؤولية القانونية والتكاليف الإدارية التي تأتي معها.
بيد أنه يُمكن أن تضطر إلى أخذها، أو بإمكان الحكومة تأسيس هيئة عامة لحيازة الأراضي. هذا يُمكن أن يحوّل المشكلة إلى فرصة. في عالم مزدحم للغاية، ماذا يُمكن أن تفعل الدولة مع مساحات جديدة من الأراضي العامة؟
يقول ماسودا: "دائماً ما كان لدينا مبدأ في اليابان مفاده أن الأراضي ينبغي أن تكون مملوكة للقطاع الخاص - أنه ينبغي أن تنتمي لشخص ما - لكن قد نضطر إلى تحويل ذلك إلى شيء آخر".

اليابان تدفع ثمن التصنيع السريع...بيئياً
دفعت البيئة اليابانية ثمناً باهظاً مقابل عقودها من التصنيع السريع. كل مكان في الجزر يتأثر بالنشاط البشري. حقوق الملكية الخاصة القوية، وسياسة عدم التدخل، والإدمان على مشاريع البنية التحتية، سمح للشقق والمصانع الرخيصة بالتطور حتى في أكثر وديان الجبال هدوء.
يقول ماسودا: "إذا استطعنا تجميع أكبر قدر ممكن من هذه الأراضي ضمن جهاز حكومي من نوع ما، عندها سيكون بمقدورنا تقديم مساهمة كبيرة إلى البيئة"، واستشهد بما ينطوي عليه ذلك من إمكانات للمحميات الطبيعية أو الغابات التي تمتص مقادير من الكربون أكثر مما تنتج منه.
هذا من شأنه أن يجعل اليابان مكانا من نوع مختلف. بالنسبة إلى ماسوموتو في وزارة النقل، سيكون هذا كافيا لمجرد تجنب الوقوع في الحالات المماثلة للمقبرة السابقة التي كان يمتلكها 40 شخصا – أو بالأحرى مملوكة من قبل ورثتهم البالغ عددهم 240 وريثا. ثلاثة من هؤلاء لا يزالون مفقودين. واستمرت عملية الاستحواذ أكثر من سنتين. ولا تزال المفاوضات مستمرة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES