FINANCIAL TIMES

تفجر إشكالية الهويّة مع تبني أمريكية لفتاتين صينيتين

السؤال المتكرر: هل تعلم البنتان أنهما بالتبني؟ لمدة ثماني سنوات كانت عائلتنا غير العادية – أم أمريكية متقدمة في السن وفتاتان آسيويتان تتمتعان بالجمال والرشاقة بشكل لا يصدق، وهما بالتبني – تعيشان في بلد لم يستطع الاحتفاظ بهما، وهو الصين. وخلال كل هذه المدة، كان سائقو سيارات الأجرة، والعاملون في رعاية الأظافر وعمال النظافة في الصين، يريدون معرفة ما إذا كانت الفتاتان على علم بأني لستُ من أنجبتهما.
حتى السيدة العجوز من شنغهاي، التي كانت تأكل كرات اللحم السويدية في كافتيريا إيكيا في شنغهاي، فضلت الانتظار لتسمع كامل الحكاية عن حياة هاتين البنتين – هجرهما أهلهما عند الولادة، على قارعة طريق في الصين، في فصل الشتاء، وتبنتهما امرأة أمريكية غير متزوجة في منتصف الأربعينات من العمر، ثم أخذتهما إلى شنغهاي في سن السابعة والثامنة – قبل أن تواصل تناول وجبتها.
دائما هذه الأسئلة كانت تُسأل همسا. تقول السيدة المتبنية: لم تلاحظ الفتاتان حتى الآن أن شعرهما كان مستقيما وأسود اللون، في حين كان شعري مجعدا وبلون أشيب، وكان لون بشرة كل منا من النوع الذي لا يمكن بأي حال أن يأتي من المجموعة الجينية نفسها.
من يتبنى طفلا من عِرق آخر فإن هذا شيء لا يستطيع أي شخص أن يُخفيه لفترة طويلة، لكن كان يبدو أن معظم الصين راغبة في تصديق أنني استطعت على نحو ما إخفاء هذا الأمر.
صحيح أن العائلات التي مثل عائلتنا تبدو مختلفة، لكننا لسنا بأية حال عائلة فريدة: يبدو أن كل شخص يعرف شخصا آخر يعرف بدوره على الأقل شخصا تبنى طفلا من عرق مختلف.
الصين وحدها أرسلت عددا يزيد كثيرا على 100 ألف طفل، معظمهم من البنات، إلى عائلات تبنتهم في الخارج، غالبا في العقد الأول من القرن الحالي.
هؤلاء الأطفال - ابنتاي جريس، 18 سنة، ولوسي، 16 سنة، والأطفال الذين مثلهم، الذين يُترَكون على قارعة الطريق في الصين – هم صدفة فريدة في التاريخ، وجزء من واحدة من أكبر هجرات الأطفال في العالم.
الآن هم يبلغون سن الرشد، على نحو يماثل البلد الذي لم يستطع أن يتولى تنشئتهم. خلال مسار حياتهم، تغير وجه حظوظ الصين: من أمة فقيرة إلى درجة أنها كانت مضطرة إلى تصدير الأطفال، لتصبح قوة عظمى.
أيتام الصين يجلسون على جانبي هذا الخط الفاصل. سد تلك الفجوة – في قلوبهم، وفي عائلاتهم، وفي المجتمعات التي أنشأتهم – ليس تحديا هينا. كان الناس دائما يفترضون أن جريس ولوسي صينتان إلى أن يثبت العكس: في أمريكا، الناس يثنون عليهما لإتقانهما اللغة الإنجليزية، مع أنها ليست لغتهما الأم؛ وفي الصين، يتوقع الناس أن تتكلما لغة الماندرين الصينية بطلاقة، على الرغم من أنها بالنسبة إليهما لغة أجنبية.
وهما تفاجئان الناس باستمرار، وأحيانا تسببان خيبة أملهم، لأن مظهر الواحدة منهما لا يدل عليها. هل هي أمريكية؟ أو صينية؟ أم أمريكية وصينية معا؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ من الذي يريد أن يغوص في قضايا وجودية من هذا القبيل؟
أثناء وجبة من كرات اللحم السويدية في شنغهاي، أو فنجان قهوة في ستاربكس؟ في عالم اختلت فيه حدود الهوية والعرق والثقافة بشكل متزايد في كثير من العائلات، فليس من السهل أن تجاوب على مثل هذه الأسئلة. لا نستطيع أن نتظاهر أننا نبدو جميعا متشابهين.
وحتى لو تظاهرنا بذلك، فإن بقية العالم لن تقتنع به – خصوصا في وقت يهيمن فيه جدل كبير حول العرق والهجرة، مثلما اعتدتُ عليه طيلة حياتي.
تقول السيدة المتبنية: لذلك خطرت على بالي قبل عشر سنوات فكرة ذكية بأن نقْل الطفلتين إلى الصين سيساعدهما في الإجابة على هذه الأسئلة، حين تصلان إلى سن البلوغ. فكرت مليا وطويلا في الموضوع قبل أن أتبنى طفلتين من عرق مختلف، لعلمي أنه في قلب كل حالة من حالات التبني في الصين، توجد مأساة تفوق الخيال.
وكنتُ أعلم أنه في اللحظة التي وُضِعتا بين ذراعي، فإنهما ستكتسبان أما تظل شغوفة بهما دائما – لكنهما ستفقدان أما أخرى، كان نهداها لا يزالان يدران الحليب من أجلهما، في اليوم الذي تبنيتهما فيه.
كنتُ أظن أن من الممكن أن تكون خسارتهما أعظم من أن أستطيع تعويضها أصلا من خلال حبي لهما. بمجرد أن تُركتا على قارعة الطريق، خسرتا إخوة وأخوات، وأجداد، وتجردتا تماما من شجرة العائلة التي تصدعت بهجرهما.
الاسم، وتاريخ الميلاد، والجنسية، والهوية العرقية، والتاريخ الطبي للعائلة، كلها ضاعت، وضاعت معها أوهى ذكرى لعوامل الماضي والثقافة والتاريخ التي ولدتا بها.
انتقلنا إلى الصين في عام 2008 في محاولة للتعويض عن كل ذلك. كان الهدف هو أن يكون بمقدور رضيعتين صينيتين أصبحتا بالصدفة أمريكيتين لحظة تبنيهما أن تغرسا الشرق في أعماقهما. والهدف أيضا هو أن تستطيع أمهما البيضاء أن تعيد لهما ولو قدراً بسيطا من هويتهما الثقافية.
شرعتُ في مشروع الثورة الثقافية العائلية بمنتهى القوة، حيث كنتُ مصممة على تعريف جريس ولوسي على "الصين الحقيقية" – التي أعني بها في الظاهر: العرض الشامل للصين بكل ما فيها من اختلافات ثقافية مع الغرب.
في أيام العطل المدرسية، حين كان زملاؤهما في المدرسة الدولية يذهبون إلى بالي أو باريس، كنتُ أجرجر جريس ولوسي إلى بلدة في جنوب الصين، حيث كل مطعم فيها لا يبيع إلا لحم الكلاب.
بحلول ذلك الوقت، كانت معظم بقية الصين قد تخلت عن أكل لحم الكلاب، لكني وجدتُ المكان الوحيد الذي يعتبر فيه لحم الكلاب من المأكولات النادرة الشهية، وجعلت البنتين تشهدان كامل عملية تحضير الوجبة، من تسخين الجراء عند الباب، إلى طاولة عليها طبق من لحم الكلب البني والخضار.
جريس، التي كان ذهنها يفكر في كلبتها دامبلينج، رفضت دخول المطعم. هذه أشياء فعلتها باسم التعويد الثقافي.
زرنا بلدتيهما الصينيتين في عدة مناسبات، وكنا ضيوفا على الحكومة الصينية، التي كانت تقدم حفلات سخية بهدف "الترحيب بالعودة إلى الوطن" للأشخاص الذين تم تبنيهم في الخارج، لتخفيف العار الثقافي المتمثل في اضطرار الحكومة إلى إرسالهم إلى الخارج أصلا.
عادت جريس من يانجشو، مسقط رأسها، محملة بلعبة دب قرمزي كانت أكبر منها حجما – ومع ذكريات عن زيارة دار الأيتام التي كانت فيها بصحبة زملائها في الأسِرة، والذين يعيشون الآن مع عائلاتهم التي تبنتهم في أمريكا.
مديرة دار الأيتام التي كانت فيها لوسي أخذتها في جولة عبر "معهد الرعاية الاجتماعية" الذي كان بمثابة مسكنها في السنة الأولى من عمرها، تحت شاشة LED ضخمة عليها عبارة ترحيب بها.
كنت بين الفترة والفترة أسألهما بقلق كيف كانت كل هذه الأمور تؤثر في نفسية كل منهما. ربما لأن التبني هو من حقائق الحياة البدهية بالنسبة إليهما، كانتا تقولان إن هذا الأمر لا قيمة له عندهما.
كانتا تشعران بالقلق من أنني كبيرة في السن بحيث أصلح لأكون جدة لهما، وكانتا تتمنيان لو أن لديهما أبا، لكن التبني، ومن قبل شخص أبيض؟ من وجهة نظرهما، كان هذا أمرا طبيعيا، وخصوصا أن كثيرا من أصدقائهما المقربين، كانوا أيضا من الذين تبنتهم عائلات من أعراق مختلفة.

* والدماير هي مؤلفة كتاب: «دروس صينية: أم أمريكية تعلم طفلتيها كيف تكونان صينيتين في الصين»
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES