الجامعات .. وتحدي «هارفارد في الداخل»

|

تعد "جامعة هارفارد" الأمريكية من أعرق جامعات العالم، ومن أبرزها، وأغناها أيضا؛ لكنها، على أي حال، ليست من أكبرها، حيث لا يتجاوز عدد طلابها ذكورا وإناثا 22 ألفا. ويأتي تعبير "هارفارد في الداخل" موازيا لتعبير "إنتل في الداخل" Intel Inside الذي نجده على معظم الحواسيب الشخصية؛ "إنتل" هي الشركة الصانعة للمعالجات Processors المستخدمة في هذه الحواسيب، التي تنفذ إجراءاتها وتتحكم في أدائها. وقد أطلق هذا التعبير كلينتون كريستينين Clayton Christensen، الأستاذ في جامعة هارفارد Harvard University، في حديث له حول توجهات التعلم إلكترونيا E-Learning، وتوقعات غزو هذا التعليم، عبر الجامعات المتميزة عالميا، لجامعات العالم الأخرى؛ حيث أردف قائلا "فلنعلم العالم على طريقتنا".
لدى هارفارد قطاع للتعليم الإلكتروني، يعرض كثيرا من المقررات على الإنترنت في مختلف المجالات، ويدعى هارفارد إكس HarvardX. لكن هارفارد ليست الجامعة المتميزة الوحيدة التي تهتم بهذا التعليم، بل هناك جامعات متميزة أخرى تهتم بذلك. بين أبرز تلك الجامعات معهد ماساشوستس التقني MIT؛ ولديه أيضا قطاع للتعليم الإلكتروني هو معهد ماساشوستس التقني إكس MITx. وكذلك جامعة ستانفورد Stanford University؛ ويدعى قطاع التعليم الإلكتروني فيها «بستانفورد على الإنترنت» Stanford online. وهناك جامعات أخرى كثيرة حول العالم تهتم بالتعليم الإلكتروني؛ بينها جامعات تختص بذلك، أبرزها الجامعات المفتوحة Open University المنتشرة حول العالم وفي المملكة أيضا. وتهتم بعض جامعات المملكة بهذا التعليم؛ كما أن هناك الجامعة السعودية الإلكترونية المتخصصة فيه؛ وفي التعليم العام هناك توجهات بتعزيزه بالإمكانات الرقمية، والعمل على الاستفادة منها.
اللافت فيما سبق أمران رئيسان مترابطان. يتعلق الأمر الأول باهتمام الجامعات العالمية الكبرى بالتعليم الإلكتروني، ونظرتها إلى توسيع دائرة تأثيرها حول العالم علميا وثقافيا من خلاله. ويقترن الأمر الثاني بالأول معززا ومؤازرا، حيث يهتم بالإبداع والابتكار في التعليم العالي الإلكتروني، من أجل جعله بديلا للتعليم العالي التقليدي بنسب متصاعدة على مراحل في المستقبل. فإذا كان التعليم الإلكتروني اليوم تعليما مكملا للتعليم التقليدي، يستهدف شريحة مختلفة من الطلاب، هي تلك الشريحة التي لم تسمح لها الظروف بالالتحاق بالتعليم التقليدي؛ فقد يستطيع في يوم ليس ببعيد عزل التعليم التقليدي، واحتلال مكانه كليا في بعض التخصصات وجزئيا بنسب مختلفة في بعضها الآخر.
تشمل توجهات الإبداع والابتكار، في التعليم العالي الإلكتروني محورين رئيسين. يهتم المحور الأول بتطوير الوسائل الإلكترونية، حيث تسمح للتعليم الإلكتروني بالتفاعل بين المدرس والطالب، وتتيح للطالب إجراء التجارب المعملية في مختبرات الجامعة من بعد. وبين الوسائل الأولية التي باتت متاحة وسيلة وضع شيء من "التفاعلية" في التسجيلات المرئية والصوتية للمحاضرات التي توضع على مواقع الإنترنت. وتتمثل هذه الوسيلة بتوقف المدرس، خلال التسجيل، بعد كل فكرة وطرحه تساؤلا يختبر فهم الطالب المشاهد للتسجيل، وعلى الطالب أن يختار الإجابة الصحيحة، بين عدة إجابات، بالضغط على مفتاح معين. فإذا كانت الإجابة صحيحة، استمر التسجيل إلى الفكرة التالية، وإلا فإن التسجيل يعود إلى الفكرة السابقة.
وفي إطار إجراء التجارب المعملية من بعد، قال إريك جريمسون Eric Grimson، المدير السابق لمعهد ماسوشوستس التقني، في محاضرة له في جامعة كاليفورنيا، بيركليCalifornia University, Berkeley حول الموضوع، إن طالب الهندسة بات يستطيع إجراء التجارب في معامل الجامعة والتدريب عليها من بعد. لكنه أضاف مازحا أن الطالب لا يستطيع شم رائحة حريق في المعمل، إن حدث ذلك؛ ثم علق بأن مثل ذلك سيكون ممكنا أيضا. ولا شك أن دورا كبيرا متوقعا في هذا المجال، من خلال ما يشهده تقدم "الذكاء الاصطناعي"، وعبر تطور "إنترنت الأشياء"، وقد تحدثنا عن هذين الموضوعين في مقالات سابقة.
نأتي إلى المحور الثاني، لتوجهات الإبداع والابتكار في التعليم الإلكتروني، وهو محور كيفية استخدام الإنترنت والوسائل الحديثة الجديدة المتطورة في جعل التعليم الإلكتروني مقاربا، وربما في بعض الأحيان متجاوزا، لما يسمح به التعليم التقليدي من تفاعل مع المدرس، وبين الطلاب أنفسهم. في هذا المجال هناك أفكار عديدة مطروحة، منها ما هو منفذ فعلا، ومنها ما هو قيد التفكير والدراسة.
تشمل هذه الأفكار، على سبيل المثال، لا الحصر، إقامة مجموعة عبر الإنترنت لدارسي كل مقرر، للتحاور مع المدرس وفيما بينهم حول الموضوعات المطروحة. وقد بينت تجربة لهذا الأمر أن الطلاب يقومون عبر التفاعل فيما بينهم بحل معظم مشكلات بعضهم بعضا دون تدخل المدرس؛ هذا عدا عن تراكم الخبرة في المقررات المختلفة، والتعرف على الأسئلة الأكثر ورودا، وإعداد الإجابات عنها بشكل مسبق. وهناك في مسألة التفاعل بين الطلاب أيضا، القيام بتشكيل مجموعات جغرافية للمقررات تجتمع بالاتفاق فيما بينها للمناقشة وتبادل الرأي، ربما بإشراف الأساتذة، أو بعض الطلاب السابقين المتفوقين في المقرر.
تختصر دافن كولر Daphne Koller الأستاذة في جامعة ستانفورد فوائد التعليم العالي الإلكتروني في ثلاثة أمور رئيسة متكاملة. أولها تخفيض التكاليف وزيادة كفاءة الجامعات، وتمكين أعداد كبيرة من الناس من الالتحاق بالتعليم العالي، وجعله حقا من حقوق الإنسان. والأمر الثاني، جعل التعلم مدى الحياة Life Long Learning LLL متاحا للجميع، وداعما للتطور والتنمية. أما الأمر الثالث فهو تعزيز العطاء المعرفي والابتكار من خلال إتاحة الفرصة لكثير من المحرومين المتميزين للتعلم والإسهام في هذا العطاء. ولعله يمكن إضافة أمر آخر هنا، وهو الاستجابة لمتطلبات العصر، حيث إن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إحلال الآلة مكان الإنسان في الأعمال الأبسط، وعلى ذلك فإن وظائف المستقبل ستحتاج بشكل أكبر إلى خريجي التعليم العالي.
ولعلنا في الختام نتساءل: ماذا علينا أن نفعل أمام تحدي "هارفارد في الداخل". لا شك أن جامعاتنا تحتاج إلى التخطيط للمستقبل في هذا المجال، بعقلية الاستجابة والمواكبة القادرة على الاستفادة من المعطيات الجديدة، والعمل على الإسهام، بل التميز والتجديد فيها، بما يحقق طموحات التنمية من جهة، ويعزز الثقافة والوعي من جهة أخرى. وعسى أن تتاح للمهتمين بهذا الأمر المشاركة بالرأي والخبرة من خلال مؤتمر يطرح موضوع "التعليم العالي والتحول الرقمي" في المستقبل القريب.

إنشرها