ثقافة وفنون

عيد الأمازيغ .. «الفرح» المغلوب على أمره

احتفل الأمازيغ نهاية الأسبوع المنصرم في عديد من الدول من واحة سيوة (غربي مصر) شرقا إلى عمق المحيط الأطلسي غربا (جزر الكناري)، ومن البحر المتوسط شمالا إلى الصحراء الكبرى جنوبا، برأس السنة الأمازيغية المعروف بـ"إيض إيناير"، الذي يصادف ليلة 12/13 من شهر يناير الميلادي.
كلمة "يناير" باللغة الأمازيغية مركبة من شقين هما: كلمة "يَنْ" وتعني واحد، وكلمة "ير" وتعني الشهر، وبذلك يكون "إيناير" هو الشهر الأول بالأمازيغية. وهناك من يعبر عنه بعبارة "إخف أوساس"؛ أي رأس السنة، وكلها عبارات ذات المعنى نفسه والدلالة، فهي تتعلق بأول شهر في الروزنامة الفلاحية للأجداد.
استند الأمازيغ في تقويم يناير هذا إلى التقويم الفلاحي الذي يتبعه الفلاحون في الزراعة، لضبط مختلف علميات الزراعة من سقي وبذر وغرس، إذ يشكل شهر يناير نهاية موسم الحرث ومنتصف فصل الشتاء، بما يحمله إيحاء إلى المطر والخير والبركة. وتتزامن السنة الأمازيغية الجديدة وفق هذا التقويم كذلك، مع نفاد مخزون المؤونة التي يحتفظ بها الفلاحون، تحسبا لفصل الشتاء، وتسمى بالأمازيغية "العاولة".
يبقى المثير واللافت للانتباه، أن التقويم الأمازيغي، وعلى خلاف جل التقويمات الأخرى المعتمدة في المنطقة مثل التقويم الميلادي والتقويم الهجري... المرتبطة بأحداث دينية، يرتبط بواقعة تاريخية كانت منطقة شمال إفريقيا مسرحا لها.
هذا فضلا عن تقاطعه مع موسم الفلاحة والزرع، حيث يتردد على الألسن؛ كما جاء في الأسطورة الأمازيغية، أن من المحتفلين بهذه المناسبة موعودون بموسم حصاد وافر، وبقدوم عام تشهد فيه البلاد نماء وخيرا في المنتوج والغلة.
أما عن الواقعة التاريخية التي ترتبط بهذا التاريخ، فتعود إلى سنة 950 قبل الميلاد. تفيد مجموعة من المراجع التاريخية، أن تلك السنة ارتبطت بحدث عظيم لدى شعب بلاد تمازغا في شمال إفريقيا، ويتمثل في دخول الأمازيغ إلى مصر الفرعونية، بعد الانتصار عليها في معركة دارت وقائعها على ضفاف نهر النيل. ليتولى بعدها الأمازيغ سدة حكم مصر الفرعونية، من خلال ثلاث أسر متعاقبة، بدءا من الـ 22 حتى الـ 22.
يعد الملك شيشونج Chéchang مؤسس الأسرة الـ 22، التي امتد حكمها من 950 قبل الميلاد إلى 817 قبل الميلاد، وتعاقب على حكم مصر في حقبة هذه الأسرة تسعة ملوك أمازيغ هم: شيشونج الأول؛ وحكم 21 سنة، أوسركون الأول، تاكلوت الأول، أوسركون الثاني، شيشونج الثاني، تاكلوت الثاني، شيشونج الثالث، باماي، وشيشونج الرابع. ومن أهم الآثار التاريخية المصرية التي تدل على هذه الأسرة نذكر: قوس النصر في مدينة الكرنك، وقبر الأسرة الأمازيغية المالكة الـ 22 في مدينة تلبسطة.
تلاها حكم الأسرة الـ 23 التي امتد من 817 قبل الميلاد إلى 730 قبل الميلاد بملوكها الستة، وهم: بادي باست، شيشونج الخامس، أوسركون الثالث، تاكلوت الثالث، أمنرود، أوسركون الرابع. ليختم الأمازيغ حكمهم في بلاد مصر بالأسرة الـ 24 التي لم تدم طويلا؛ ما بين 730 قبل الميلاد إلى 715 قبل الميلاد، وتعاقب عليها ملكان فقط، هما: تاف ناختي الأول وبا كن رع نف الملقب بـ "بوكوريوس".
بعيدا عن هذا التاريخ الضارب في القدم، وعودا إلى الراهن للبحث في الممارسات الثقافية، نجد جملة من القواسم المشتركة في الاحتفالات والطقوس التي يقيمها الأمازيغ بهذه المناسبة، التي تبرز الاحتفاء بخصوبة الأرض، وبالتطلع لأن تكون السنة الأمازيغية الجديدة سنة خصب ونعم، ما يزكي الأطروحة التاريخية التي تربط السكان الأمازيغ بالأرض؛ إذ نجد في معظم تلك الممارسات روابط متينة للعلاقة المتجذرة بين هذا الإنسان والأرض.
من جملة الأطباق التي تحرص الأسر الأمازيغية على تحضيرها بهذه المناسبة، في مناطق عدة بالمغرب نجد، طبق "تاكلا"، وهي مرادف للعصيدة باللغة العربية، وتضم من بين مكوناتها كل من الدقيق والماء والملح والزبدة والعسل. وطبق "إينودا" وهي مزيج من الفواكه الجافة المكونة من لوز وجوز وزبيب وتين وفول سوداني. إلى جانبهما طبق "أوركيمن"، وهو حساء من الخضر المتنوعة.
وتفرض التقاليد أن يتم تضمين "نواة" (عظم) تمر في إحدى هذه الأطباق التي تتناول بشكل جماعي في وجبة العشاء. ويعتبر الشخص الذي يعثر عليها سعيد الحظ وميمونا، وتمنح له مفاتيح المخزن "الخزين" استشرافا للأمل في مستقبل يكون فيه الموسم الفلاحي القادم مزدهرا وغنيا، كما يحدد كبير الأسر - الجد أو الأب - قبل الشروع في تناول هذه الأكلة هدية لصاحب الحظ هذا، تكون في الغالب من رأس من قطيع الماشية أو شجرة أو فدانا تمنح له. يذكر أن التقويم الأمازيغي الذي ارتبط بدخول الأمازيغ لمصر بلغ هذا العام 2968، فيما يذهب المؤرخون إلى فيكتور بيكيه في كتابه "حضارات شمال إفريقيا" إلى أن الأمازيغ كانت لهم حضارة وصناعة منذ القرن الـ 14 قبل الميلاد، وكانت الملكية تقليدا وراثيا لديهم، وعقدوا تحالفات مربحة للغاية مع شعوب الجزر. نشير أخيرا إلى أن عديدا من بلدان شمال إفريقيا، شرع في إعادة الاعتبار لهذه المناسبة بعد عقود من الإهمال والتنكر، فالجزائر على سبيل المثال اعترفت هذا العام بهذا التاريخ عيدا وطنيا وعطلة مؤدى عنها، فيما احتفت مصر ولأول مرة في تاريخها بشكل رسمي بأمازيغ منطقة سيوة، أما في المغرب فكان خيار التدرج منهجا في هذا الأمر، بدءا بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، وصولا إلى الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين كمكون أساسي للهوية المغربية في دستور 2011.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون