FINANCIAL TIMES

بلغاريا تعلن الحرب على استنزاف الأدمغة الوطنية

ديميتار يبلغ من العمر 26 عاما. لقد قرر البحث عن وظيفة في أوروبا الغربية عندما أنهى درجة الماجستير في العلاقات الدولية في إحدى الجامعات السويسرية. وهو لا يريد العودة إلى بلغاريا.
"ما أوده حقا هو الحصول على حياة مهنية في الاتحاد الأوروبي، إما في البرلمان الأوروبي أو المفوضية" كما يقول، مستشهدا بطلاقته في اللغة الإنجليزية والألمانية، التي اكتسبها أثناء دراسته في مدرسة بلغارية للغات الأجنبية في بلوفديف.
"أريد أن تكون لدي فرصة حقيقية لتطوير إمكاناتي، وكسب راتب جيد والتمتع بأسلوب الحياة الأوروبية".
أسباب ديميتار للمغادرة يتكرر صداها لدى ما يقدر بنحو مليون بلغاري اختاروا المغادرة عام 1990 - عندما أصبحت جوازات السفر للذهاب إلى الخارج متاحة على نطاق واسع بعد زوال الشيوعية.
عام 2007، العام الذي انضمت فيه بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي، كان يعني في المتوسط هجرة نحو 60 ألف شخص في السنة.
منذ عام 2007، سهلت قواعد الاتحاد الأوروبي بشأن حرية حركة اليد العاملة كثيرا على البلغاريين العمل في البلدان الـ 27 الأخرى، ومع ذلك انخفضت مستويات الهجرة مع نمو الاقتصاد.
يذكر أن الإحصاءات الرسمية حول الهجرة شحيحة، إلا أن عددا من الاقتصاديين العاملين في صوفيا يتفقون على أن نحو 30 ألف شخص لا يزالون يغادرون كل عام، معظمهم من الطلبة الذين يتابعون الدراسة في الخارج من أجل الحصول على شهادات عليا، والخريجين في علوم الكمبيوتر والهندسة والطب.
ويعود ما يقدر عددهم بعشرة آلاف شخص سنويا، في طليعتهم مهنيون من ذوي الخبرة في مجال تكنولوجيا المعلومات، يتمتعون بالمهارات المطلوبة في قطاع التكنولوجيا المزدهر في البلد، الذي يسهم بنسبة 3.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
على الرغم من تباطؤ وتيرة الهجرة إلى الخارج منذ ذلك الحين، فإن تأثيرها ما زال مستمرا.
انخفض عدد سكان بلغاريا مليوني نسمة ليصل إلى 7.1 مليون نسمة منذ عام 1990، وفقا لتوافق آراء الخبراء المحليين. ومعدل المواليد في البلاد أقل من متوسط الاتحاد الأوروبي، في حين أن معدل الوفيات هو الأعلى.
ووفقا لما يتوقعه الاقتصاديون، فإنه من دون طفرة مواليد مستدامة وعودة واسعة النطاق لمواطنيها العاملين بالخارج، سيبلغ عدد سكان بلغاريا نحو 5.5 مليون نسمة بحلول عام 2050.
ديميتار راديف، محافظ البنك المركزي، في مقابلة مع صحيفة فاينانشيال تايمز، يعتبر أن المشكلة الديموغرافية بالذات هي: "التحدي الرئيس على المديين المتوسط والطويل".
يقول راديف: "تتخذ الحكومة خطوات في الاتجاه الصحيح، حيث إنها تجعل التعليم أولوية واضحة في ميزانية عام 2018. هذه خطوات مبكرة جدا". ويضيف: "نأمل أن يتطور اتجاه عودة الشباب في المستقبل".
يعتقد كراسيمير فالشيف وزير التعليم والعلوم أن المد ربما يكون قد أخذ في التحول منذ فترة: "وتيرة الهجرة انخفضت على مدى السنوات القليلة الماضية. نحن نشهد هجرة ثابتة على مستويات أدنى الآن، ويعود مزيد من الناس من الخارج".
ويوافقه هذ الرأي فلاديسلاف، وهو مختص في تخطيط المدن درس في كلية لندن الجامعية، قبل أن يعود إلى أعمال عائلته في مجال البناء.
ويقول: "كثير من الناس يعودون بعد نحو عشر سنوات من العيش في الخارج عندما يكونون قد وفروا ما يكفي لشراء شقة وتسديد بعض المال لآبائهم" مقابل مساعدتهم لهم في تمويل تعليمهم.
"البلغار في الخارج يفيقون. . . بعد فترة من الوقت يدركون أن هناك منافسة ضخمة على الوظائف عالية الأجر في تكنولوجيا المعلومات أو التمويل، بالتالي ربما يكون وضعهم أفضل بالنسبة لحياتهم المهنية، فيما لو عملوا في السوق المزدهرة في بلدهم".
لم تكن بلغاريا البلد الوحيد في أوروبا الشرقية الذي يعاني هبوطا حادا في معدل المواليد في أوائل التسعينيات، بسبب الاضطرابات الاقتصادية وموجة الهجرة إلى الخارج.
الانخفاض الحاد في نوعية الرعاية الصحية الحكومية وارتفاع معدلات الفقر - 42 في المائة من السكان معرضون لخطر الفقر في سن الشيخوخة، وفقا لوكالة الإحصاءات الأوروبية يوروستات - يعطي بلغاريا ثاني أدنى متوسط عمر متوقع في الاتحاد الأوروبي بعد لتوانيا.
يؤكد فالشيف أهمية قطاع تكنولوجيا المعلومات في الحفاظ على المهنيين الموهوبين وتشجيع الآخرين على العودة. "لدى تكنولوجيا المعلومات قيمة مضافة عالية، لذلك نحن بحاجة إلى بناء القدرات من خلال تدريب مزيد من المتخصصين المؤهلين تأهيلا جيدا. وجهة نظري هي أنه مع نمو هذه الصناعة وتعادل القوة الشرائية لبلغاريا مع بقية الاتحاد الأوروبي، سنرى انخفاضا مطردا في الهجرة الخارجية".
على مدى السنوات الأربع الماضية تم إصلاح نظام التعليم للتركيز على التدريب المهني في علوم الكمبيوتر وتطوير الشراكات مع القطاع الخاص.
يؤكد كالين راديف، مؤسس "مجموعة البرمجيات"، وهي شركة تكنولوجيا مالية متخصصة في تمويل المشاريع الصغيرة، أن صناعة تكنولوجيا المعلومات ستحرك النمو الاقتصادي، وتجعل بلغاريا مجتمعا أكثر توجها نحو الخارج من خلال جذب المهنيين الأجانب. ويضم فريق الإدارة العليا خبراء من جنوب إفريقيا ومقدونيا وإيرلندا.
ومن رأيه أن "هذه الصناعة بشكل إجمالي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في القضية الديموغرافية".
بعض المحللين يشعرون بالشك من أن سياسات حكومية محددة يمكن أن تقنع البلغاريين بالعودة إلى ديارهم من الخارج وإنجاب أطفال. الأمر الأهم من ذلك هو الاستقرار السياسي، وفقا لما ذكره يافور أليكسيف الباحث في معهد اقتصاديات السوق في صوفيا.
يقول أليكسيف: "كانت لدينا طفرة مواليد في عام 2008 عندما كانت الآفاق الإجمالية مشرقة". ويضيف: "كان الاقتصاد قويا وكانت بلغاريا قد انضمت إلى الاتحاد الأوروبي. بعد ذلك جاءت الأزمة وتسببت في عدم الاستقرار السياسي مجددا، وبالتالي انخفض معدل المواليد".
وفي حين أن الاقتصاد شهد الانتعاش، إلا أن الحافز الرسمي الوحيد المتوافر للأسر لإنجاب مزيد من الأطفال هو إجازة أمومة سخية مدتها ثلاث سنوات، يُدفع أجر سنتين منها. ولكن رعاية الأطفال للأمهات العاملات مشكلة بسبب النقص الحاد في الأماكن في مدارس الحضانة التابعة للدولة.
يقول مراقب غربي: "فترة الإجازة الطويلة مع الافتقار إلى المزايا الاجتماعية لإنجاب الأطفال، يؤديان إلى إخراج النساء من القوة العاملة".
تتخذ الحكومة خطوات حذرة نحو تشجيع الهجرة من قبل العمال المهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، ويفضل أن يكون هؤلاء من أوكرانيا ومولدوفا ومقدونيا، وهي جميعا من البلدان التي لديها أقليات بلغارية عرقية.
هؤلاء العمال مؤهلون للحصول على "بطاقات زرقاء" في إطار عملية سريعة جديدة لإصدار تصاريح العمل والإقامة. هناك تزايد في عدد الأشخاص الذين يتقدمون للحصول على البطاقات، ولكنها تعتمد على الكشف عن المواهب في البلدان المجاورة.
تجاهلت بلغاريا في الغالب، فرصة أخرى لتعزيز سكانها المتناقصين من خلال رفضها منح اللجوء للسوريين والعراقيين والأفغان المدرجين في برنامج الاتحاد الأوروبي الأخير، لتوطين اللاجئين الذين يصلون إلى اليونان.
قبلت الحكومة حتى الآن أقل من 100 لاجئ، وذلك جزئيا بسبب المعارضة القوية من قبل الأحزاب القومية اليمينية المتطرفة في إدارة الائتلاف الذي يقوده بويكو بوريسوف، رئيس الوزراء من يمين الوسط. وقد أفاد اللاجئون الذين عبروا الحدود عبر بلغاريا عن وقوع انتهاكات على أيدي الشرطة.
يواجه البلد نقصا متزايدا حتى في العمالة الأقل مهارة بسبب المشكلة الديموغرافية. عاد البلغاريون من إسبانيا واليونان للعمل في صناعة السياحة، وأخذوا وظائف في منتجعات العطلات على طول ساحل البحر الأسود في الصيف، وفي منتجعات التزلج التي تحظى بشعبية مع وجود المتزلجين في أوروبا الغربية في الشتاء، لكن ذلك ما زال غير قادر على أن يملأ الفجوة.
يقول بيتار، البالغ من العمر 31 عاما ويعمل مساعدا لشيف ويقسم وقته بين صوفيا وأثينا: "أعمل في بلغاريا سبعة أشهر في السنة، وأكسب ما يكفي للعيش بشكل مريح. حين أرغب في كسب مزيد من المال. وأعمل. . . في اليونان في الجزر. عرضت عليّ وظيفة دائمة في صوفيا، لكنني لست متأكدا ما إذا كنت على استعداد للعودة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES