الصناعة السعودية .. لنبدأ من النهاية

|


كثيرا ما نسمع ونقرأ عن ضرورة توسيع القاعدة الصناعية في السعودية، كون الصناعة أحد أهم القطاعات توظيفا، وكذلك لاعتمادنا الكبير على استيراد معظم احتياجاتنا من الخارج. ولكن في الوقت نفسه، تغفل هذه الدعوات عدة عوامل مهمة، منها عدم مناسبة النظام التعليمي الحالي لدعم الصناعة، إضافة إلى اعتماد الصناعة عموما على اليد العاملة الرخيصة. ينبغي لنا أن نعترف بأن السعودية ليس لديها ميزة نسبية فيما يخص رخص اليد العاملة، ولا ينبغي لنا أن نجعل منها هدفا. فاليد العاملة الرخيصة مستوردة مثلها مثل المنتجات النهائية. فلو تبنى الاقتصاد السعودي توسيع قاعدته الصناعية لتلبية الطلب المحلي لوارداته، لاحتاج إلى مزيد من العمالة الأجنبية. وهو لا يتفق مع سعة الاقتصاد السعودي ومن هذا المنطلق، فإن استهداف خطوط الإنتاج التقليدية والاستهلاكية لن يضيف كثيرا للاقتصاد. إن ما علينا فعله هو إيجاد ميزة نسبية جديدة متخصصة لا تعتمد في نموذج عملها على العمالة الرخيصة.
حتى نتمكن من تحقيق هذه السياسة في إيجاد قاعدة صناعية جديدة، فإن على الاقتصاد السعودي الاهتمام بالتدريب التقني. يقول تيم كوك ــــ الرئيس التنفيذي لشركة أبل ـــ عن الصناعة في الصين إنها لم تعد منخفضة التكاليف. فقد تمكنت الصين من بناء المهارات ومراكمة الخبرات عن طريق التركيز على التعليم التقني ومخرجاته. وبالتالي أصبحت وجهة للشركات التي تتطلب منتجاتها مهارات دقيقة وعالية المستوى.
لتحقيق ذلك، علينا تبني نهج جديد في قطاع التعليم يعمل على مساعدة الطلاب على اكتشاف مواهبهم وميولهم في مرحلة مبكرة، تبدأ من المتوسطة والصفوف الابتدائية العليا، حتى يتسنى للطلاب اختيار مسارات تعليمية في المرحلة الثانوية تعزز من مهاراتهم. هذه المسارات تتخصص بما يتوافق مع مستقبل سوق العمل، فلا يحتاج الطالب إلى التعليم الجامعي قبل الانخراط في قوى العمل. إضافة إلى ذلك، يجب الاهتمام بثقافة العمل كجزء من المنهج التعليمي.
المهارات التقنية تتعدى تعليم ما يحتاج إليه العامل في خط الإنتاج، إنما تشمل كل ما تحتاج إليه الصناعة لأداء وظائفها بالشكل الأكثر كفاءة. وبالتالي يمكن أن تعمل السعودية على استهداف صناعات إلكترونية دقيقة وبرمجيات تدخل في إنتاج الروبوتات والخدمات اللوجستية وإنتاج الطاقة وتحلية المياه. فهذه المجالات ما زالت خصبة وجديدة، وذات نزعة ابتكارية عالية، دون أن توجد منطقة اقتصادية تحتكر هذا المجال. صحيح أن هناك عديدا من الدول الرائدة في هذه المجالات، ولكن لا يزال المجال مفتوحا لدخول ابتكارات جديدة في اقتصادات هذه الصناعات. وبحسب المثل القائل إن الحاجة أم الاختراع، فهذه المجالات الاقتصادية هي أكثر المجالات التي تتقاطع مع احتياجات الاقتصاد السعودي.
اقتصادنا ليس بحاجة إلى مزيد من خطوط الإنتاج التي تأتي بمزيد من العمالة، إنما إلى ورش صغيرة عالية الابتكار يقبل عليها الشباب السعودي ذوو المهارات العالية، ما سيترجم بالضرورة دخلا مرتفعا لهذه الوظائف.

إنشرها