هل حان الوقت لمراجعة منظومتنا التعليمية؟

|

ذكرت BBC أن الحكومة البريطانية تنوي استقدام 60 معلم رياضيات من الصين، وتحديدا من مقاطعة شنغهاي، وذلك للاستعانة بهم في تدريس الطلاب البريطانيين، لرفع كفاءتهم في المهارات الحسابية، إذ سيقوم المعلمون الصينيون بالتدريس في 30 مركزا من مراكز تعليم الرياضيات، التي ترغب بريطانيا في تحويلها إلى مراكز تميز. مع إدراكي أهمية الرياضيات في نمو وتطور الأمم إلا أن المبررات لهذه الاستعانة بالمعلمين من الصين، هي ما استوقفتني، إذ إن ضعف المهارات لدى البريطانيين الكبار العاملين يكلف الاقتصاد البريطاني 20 مليار جنيه استرليني سنويا حسب ما يقول مسؤولو الحكومة البريطانية.
المعلمون الصينيون سيعرضون أساليبهم في التدريس، ومساعدة الطلاب الذين يواجهون صعوبات في الرياضيات، إضافة إلى تدريب المعلمين. وقد أشارت وزيرة التعليم البريطانية إلى الأهمية الاقتصادية للرياضيات، وأن الاهتمام برفع مهارات الطلاب في الرياضيات يأتي في سياق الخطة الاقتصادية، طويلة الأمد، التي تتطلب مهارات عالية تؤهل الطلاب للمنافسة العالمية، وتحقيق المكاسب الكثيرة. استوقفني الملمح الاقتصادي، ودور التعليم، بشكل عام فيه، ودور الرياضيات بشكل خاص، لما لقوانين الرياضيات من أهمية، في المجالات التقنية كافة، والصناعية وجميع الأنشطة الاقتصادية.
بريطانيا مع تقدمها الصناعي، وقوة اقتصادها، لم تتردد في الاستفادة من دولة تجد لديها شيئا متميزا، كما في الصين، وبالأخص في الرياضيات، وهذا تفكير متقدم يتفق مع مثل نردده كثيرا بشأن أهمية العلم، وطلبه "اطلب العلم ولو في الصين".
الرياضيات، والعلوم تعتبران الأساس في العلوم الطبيعية، فحساب الكميات، والسرعة، واكتشاف، وتوظيف قوانين الفيزياء، والكيمياء تمثل أساس التفوق، والتطور التقني، والصناعي الذي وصل إليه الإنسان في العصر الحديث، ولذا لا غرابة في اهتمام الأمم بالرياضيات، والعلوم. كان لدينا في المملكة، مركز العلوم والرياضيات يتبع لوزارة التعليم، ومما سمعته من ذوي العلاقة بالمركز أنه على مستوى عال من التميز، حيث يقدم دورات تدريبية للمعلمين، والتحق به كثير من المعلمين ذوي الكفاءة العالية في العلوم والرياضيات، إلا أن المركز خرج من الخدمة، لأسباب لا أعرفها، وربما لقناعة مسؤول لا يدرك أهمية العلوم والرياضيات.
كما أن لدينا في كلية التربية في جامعة الملك سعود مركز التميز في العلوم، والرياضيات، حيث ينفذ ورش عمل، ودراسات، كما أنه ينظم ندوات، ومؤتمرات، إلا أن هذا غير كاف، إذ لا بد من عناية أكبر بآليات تطوير أساليب، وطرق تدريس الرياضيات، والعلوم، لنضمن الارتقاء بمهارات الطلاب، وشحذ قدراتهم العلمية، وحتى تتحقق الأهداف لا بد من دعم المركز بكل الاحتياجات المادية والبشرية.
في عهد الرئيس الأمريكي جون كينيدي فاجأ الاتحاد السوفياتي العالم، وأمريكا بإطلاق المركبة الفضائية الأولى في العالم، فما كان من الرئيس كينيدي إلا أن واجه التحدي باتهام النظام التربوي بالتقصير، ورأى ضرورة إعادة النظر فيه، وإصلاح الخلل الذي يمكن أن يوجد فيه وتوفير مستلزماته، وجميع ما يضمن تفوق أمريكا على الصعيد العالمي، وهذا ما حدث في الواقع، حيث تتربع أمريكا منذ عقود على القمة عالميا.
مراجعة النظام التربوي، وإصلاح خلله، ليسا ترفا، بل واجب تقتضيه المصلحة العامة في أي بلد، مهما كان تقدمه، حتى لا يركن للدعة، والخمول، والتكلس، وقد ترجمت أمريكا حرصها على نظامها التربوي، حيث تم في عهد الرئيس رونالد ريجان إجراء دراسة شاملة للمنظومة التربوية، وشكِّل لهذا العمل فريق عمل كبير، من مديري الجامعات، والخبراء التربويين، وخلصت الدراسة التي حملت عنوان "أمة في خطر" تحذيرا واضحا من أن المستوى التعليمي في أمريكا متراجع، وبالذات في العلوم والرياضيات، وأعطى فريق العمل توصيات ضرورية يلزم الأخذ بها إذا ما أرادت أمريكا الاستمرار في تفوقها الصناعي، والاقتصادي.
ليس عيبا أن تقوم أي دولة بمراجعة نظامها التربوي بشكل تام، بما في ذلك المناهج، والبيئة التعليمية، وطرق التدريس، وإعداد المعلمين، بل السياسات التربوية، والسعي للاستفادة من خبرات الدول الأخرى، واكتساب الحكمة أينما كانت، كما أن أولى خطوات التغيير نحو الأفضل الاعتراف بوجود الخلل وعدم الخجل من ذلك.

إنشرها