الاستقرار المالي .. هدف أساسي تسعى الصين إلى تحقيقه

|

وضع قادة الصين الاستقرار المالي على رأس أولوياتهم، وهو أمر إيجابي بالنسبة إلى الصين والعالم، نظرا إلى حجم وأهمية السوق الصينية التي تضم أكبر المصارف وثاني أكبر بورصة في العالم. ويلاحظ أن النظام المالي متغلغل في كل جوانب النشاط الاقتصادي تقريبا، وقد أسهم بدور أساسي في تيسير النمو الاقتصادي السريع، وتحقيق خفض حاد في معدلات الفقر. وقد بدأت الصين التحول من رائدة الصناعة التحويلية في العالم إلى اقتصاد أكثر حداثة يدفعه الاستهلاك، غير أن هذه المرحلة الانتقالية تخللها بعض التوترات في القطاع المالي. اختتم الصندوق أخيرا برنامج "تقييم القطاع الماليFSAP" للصين، وهناك ثلاثة شواغل مهمة ومترابطة حددها التقييم بشأن النظام المالي الصيني: طفرة الإقراض: أدى التركيز على مواصلة النمو وتوظيف العمالة إلى استمرار النمو الائتماني السريع رغم تباطؤ الاقتصاد، ومعظم الديون تخص الشركات ــ التي لا تبدو أمام بعضها آفاق واعدة ــ والحكومات المحلية، لكن هناك نسبة متزايدة تخص الأسر. ويمثل النمو الائتماني مؤشرا مهما للعسر المالي المستقبلي، لأن معايير الإقراض غالبا ما يتم إغفالها مع العجلة في زيادة القروض المقدمة. التعقيد: أدت قواعد الإقراض المصرفي للقطاعات التقليدية، مثل قطاع التشييد وقطاع العقارات، إلى إبعاد المقترضين الخطرين عن المصارف وانتقالهم إلى منتجات مالية أقل خضوعا للتنظيم، وفي الوقت نفسه، تقدم المصارف للمدخرين الباحثين عن أصول عالية العائد منتجات لإدارة الثروة تتسم بدرجة متزايدة من التعقيد. الضمانات: غالبا ما تعمد المصارف إلى تعويض المستثمرين عن خسائر المنتجات المالية حفاظا على سمعتها؛ وكثيرا ما تدخلت الحكومة لتحقيق الاستقرار في الأسواق المالية؛ كما أن المستثمرين أصبحوا يعتقدون أن المؤسسات المملوكة للدولة سيتم إنقاذها إذا وقعت في مشكلات مالية، لكن حماية المستثمرين والشركات من الخسائر تشجعهما على التهاون في تقدير المخاطر، ويمكن أن تتسبب في سوء تخصيص الاستثمارات للأنشطة الاقتصادية الأقل إنتاجية. وإذا نظرنا إلى هذه العوامل مجتمعة، فسنجد أنها أوجدت نظاما ماليا يتسم بدرجة عالية من الديناميكية والتحرك السريع، ما يجعل مراقبته أمرا بالغ الصعوبة. وهناك صعوبة خاصة في إلغاء الضمانات الضمنية ــ بما يسمح للأسواق بالهبوط والشركات بالفشل والمستثمرين بخسارة الأموال. ومما سيساعد في هذا الصدد تحسين شبكات الأمان الاجتماعي والتوعية المالية وتحسين إجراءات الإفلاس. لكن النمو الائتماني لن يتباطأ بصورة مستدامة ما لم تتحسن القدرة على تحمل فقدان الوظائف ويزداد بطء النمو الاقتصادي ــ خاصة على المستوى المحلي ــ ويتم العثور على مصادر إيرادات جديدة للحكومات المحلية. سجلت منتجات إدارة الثروة نموا سريعا بلغ 40 في المائة تقريبا من إجمالي الناتج المحلي في الصين في نهاية 2016، ولا تدرج هذه المنتجات غالبا في الميزانيات العمومية للمصارف. تدرك السلطات الصينية هذه المخاطر وتسعى إلى احتوائها. وقد وصف الرئيس شي الاستقرار المالي بأنه هدف أساسي تسعى الصين إلى تحقيقه. ومنذ آخر مرة نفذ فيها "برنامج تقييم الاستقرار المالي" في عام 2011، تعمل السلطات الصينية على تحسين الرقابة على المصارف وشركات التأمين وشركات الأوراق المالية. وتتعلق أهم توصيات البرنامج بثلاثة مجالات أساسية تتطلب مزيدا من التحسين، وهي مراقبة المخاطر النظامية، والتنسيق بين الهيئات، ورأس المال المصرفي، واحتياطيات السيولة، وإدارة المخاطر. ولنلق نظرة على توصيات الصندوق في كل من هذه المجالات: - ينبغي أن تنشئ السلطات الصينية جهازا يركز حصريا على الاستقرار المالي من أجل تحسين مراقبة المخاطر النظامية، ويمكن أن يساعد هذا الجهاز، في المواظبة على مناقشة وتقييم القضايا ذات الاهتمام على مستوى الهيئات المعنية المختلفة، في تحديد المخاطر النظامية ووضع توصيات للأجهزة الرقابية المنفذة، وسيكون تحسين جودة البيانات عاملا مهما في هذا الصدد. - تحتاج أجهزة الرقابة المالية إلى درجة أكبر من الاستقلالية في القيام بالمهام المنوطة بها دون قلق من احتمال إلغاء قراراتها، كذلك تحتاج هذه الأجهزة إلى موارد أكبر للقيام بالرقابة الملائمة على نظام كبير ومعقد. وأخيرا، يشكل تحسين التنسيق ــ على كل المستويات وليست المستويات العليا فقط ــ مطلبا ضروريا لتحديد المخاطر وإدارتها. - تقتضي ضخامة حجم الرواج الائتماني إجراء زيادة تدريجية في رأسمال المصارف لوقايتها من أي هبوط اقتصادي دوري مفاجئ، كذلك يتطلب التعقد والترابط المتزايد في النظام المالي وجود احتياطيات وقائية أعلى في عدة مصارف كبرى، للحيلولة دون انتشار الصدمات إلى أجزاء أخرى من النظام المالي. وأخيرا، تقتضي المخاطر الفريدة التي تواجه الصين ــ مثل المخاطر التي ينطوي عليها إلغاء الضمانات الضمنية واسعة الانتشار ووجود قروض كبيرة خارج الميزانية العمومية اعتادت المصارف تقديم ضمانات عنها ــ تحقيق مستويات أعلى من رأس المال في مختلف أجزاء النظام أثناء الفترة الانتقالية. - هناك اتجاه متزايد من جانب المصارف والمؤسسات المالية الأخرى نحو تمويل استثماراتها بقروض قصيرة الأجل جدا. ولاحتواء مخاطر انعكاس مسار هذه التدفقات، ينبغي أن تحوز المصارف مزيدا من الأصول السائلة، وأن يتم تعديل قواعد الإقراض من المؤسسات المالية لتشجيع الإقراض الأكثر أمانا والأطول أجلا. - ويوجد بالفعل عديد من العناصر اللازمة لإنشاء إطار فعال لإدارة الأزمات. وثمة حاجة إلى مزيد من الإصلاحات للحد من الاعتماد على الأموال العامة في إدارة المؤسسات المالية الضعيفة، مع التأكد من أنها يمكن أن تفشل بصورة آمنة، وذلك مثلا عن طريق التوسع في صلاحيات التسوية الإدارية وفقا للمعايير الدولية. إن الرقابة على واحد من أكبر النظم العالمية وأكثرها تعقدا مهمة محفوفة بالتحديات.

إنشرها