الوصول إلى الفقراء «1 من 3»

|
غالبا ما يقال إن فجوة الفقر الإجمالية في العالم -أي المبلغ النقدي الإجمالي الذي يقع على أساسه جميع الفقراء تحت خط الفقر- متواضعة إذا ما استخدمنا خطوط فقر مماثلة لتلك المستخدمة في البلدان منخفضة الدخل. وعلى سبيل المثال، كتبت آني لاوري في مقالتها المنشورة في مجلة "نيويورك تايمز" في 23 فبراير 2017، أن "أحد التقديرات الحديثة.. أشار إلى أن فجوة الفقر العالمية.. تناهز ما ينفقه الأمريكيون على تذاكر اليانصيب كل عام، ونحو نصف ما ينفقه العالم على المعونة الخارجية". ويستدل في بعض الأحيان أن القضاء على الفقر العالمي -أي رفع جميع فقراء العالم إلى خط الفقر الدولي الذي يفصل الفقراء عن غير الفقراء- لا يستلزم إلا مبلغا متواضعا من المال. غير أن القضاء على الفقر أصعب بكثير من الحجم الذي يمكن أن تشير إليه فجوة الفقر الإجمالية. فمن الصعب للغاية تحديد الفقراء وحجم فقرهم. وبالتالي يمكن أن تكون التقديرات الواردة في مجلة "نيويورك تايمز" بعيدة عن الواقع تماما. ويظل بعض الفقراء الحقيقيين في حاجة إلى المال في حين تصل الأموال إلى يد آخرين. ونظرا لقصور المعلومات المتعلقة بمستويات المعيشة، يمكن أن يتزايد المبلغ المالي اللازم للقضاء على الفقر بسرعة كبيرة. وقد حاولنا تقييم مدى كفاية البيانات المتاحة عادة التي يستخدمها صناع السياسات بانتظام في إفريقيا (جنوب الصحراء) -وهي أفقر مناطق العالم وفقا لمعظم المقاييس- لتحديد الفقراء على نحو موثوق. كثيرا ما تتسم عملية تحديد الأسر الفقيرة بالتعقيد، بسبب نقص البيانات الموثوقة. ومن الصعب، بل ربما من المستحيل، في كثير من الحالات تقييم المستويات المعيشية لجميع أفراد السكان. ففي البلدان الأعلى دخلا، تساعد سجلات ضرائب الدخل على تحقيق ذلك. إلا أن السجلات الضريبية لا تشكل خيارا قابلا للتطبيق في كثير من الاقتصادات النامية، نظرا لأن كثيرا من الأسر يعمل في القطاع غير الرسمي أو في الزراعة التقليدية. وكثيرا ما تواجه الحكومات عوائق، بسبب القيود المفروضة على حفظ السجلات اللازمة لقياس جميع الدخول بشكل موثوق، ويمكن أن تكون هذه القيود شديدة في البلدان الفقيرة. إضافة إلى ذلك، قد لا تشكل البيانات على مستوى الأسر مؤشرا جيدا لمستويات معيشة الأفراد داخل الأسرة. ولمحاولة التغلب على هذه العقبة، بدأت الحكومات في جميع أنحاء العالم تتحول على نحو متزايد إلى استخدام شكل من أشكال الاختبارات بمؤشرات بديلة لتحديد الأسر الفقيرة. والفكرة بسيطة، حيث تعطى لكل أسرة درجة استنادا إلى مجموعة (صغيرة عادة) من خصائص الأسر التي يمكن ملاحظتها بسهولة والتي تشير إلى ما إذا كانت الأسرة فقيرة. ويمكن أن تشتمل هذه الخصائص على حجم الأسرة، وجنس رب الأسرة، والتكوين الديموغرافي للأسرة، ونوع المسكن الذي تعيش فيه الأسرة، والمواد التي صنع منها المسكن، والأصول التي تملكها الأسرة (على سبيل المثال، ما إذا كانت الأسرة تمتلك أغراضا أساسية مثل راديو أو هاتف). ويعطي كل من هذه الخصائص وزنا ترجيحيا استنادا إلى علاقتها الإحصائية الملاحظة باستهلاك الأسرة استنادا إلى المسوح لعينات تمثيلية على الصعيد الوطني. ودار كثير من النقاش بين الباحثين والممارسين حول فعالية الاختبارات بمؤشرات بديلة (أي، ما مدى جودة الاستعاضة بالسمات عن الأدلة المباشرة للدخل أو الاستهلاك). فيزعم المؤيدون أنها طريقة موثوقة، في حين يقول المنتقدون، إن هذا المنهج يقدم تنبؤات غير مرضية عمن هو فقير ومن هو غير فقير. كما أثيرت شواغل إزاء نقص الشفافية والانقسام داخل المجتمعات المحلية، حيث تعامل الأسر المماثلة معاملة مختلفة جدا استنادا إلى درجة غير مفهومة في اختبار بمؤشرات بديلة. ونعكف على دراسة أداء هذه الطريقة الشهيرة في عدد من البلدان الإفريقية. وتشير نتائجنا إلى نقاط القوة والضعف لهذه الطريقة. والخبر المطمئن هو أن الاختبارات بمؤشرات بديلة يمكن أن تحد كثيرا من إدراج الأسر غير الفقيرة في برنامج لمكافحة الفقر، وفي معظم الحالات التي تناولناها بالدراسة، يمكن تقليل معدل الخطأ المرتبط بإدراج الأسر إلى النصف على الأقل. أما الخبر السيئ فهو أن ذلك يأتي على حساب استبعاد الفقراء بشكل كبير. وعندما يكون الهدف هو الحد من الفقر، ينبغي أن يشعر صناع السياسات بالقلق إزاء الاستبعاد. ومن الأسباب الرئيسة لارتفاع معدلات خطأ الاستبعاد هو أن الاختبارات القياسية بمؤشرات بديلة لا تعمل بشكل جيد بالقرب من طرفي منحنى توزيع استهلاك الأسر. وكثيرا ما تؤدي الخصائص الإحصائية لهذه الطريقة إلى تقدير المستويات المعيشية للفقراء بأعلى من قيمتها (وتقديرها بأقل من قيمتها للأغنياء). وعندما نقارن استهلاك الأسر الفعلي بالقيم المتوقعة من الاختبارات بمؤشرات بديلة، يتضح مدى أهمية هذه المبالغة في التقدير. ومن حيث الاستهلاك الفعلي لأفقر 20 في المائة من الأسر، تنتج الاختبارات بمؤشرات بديلة قيما متوقعة أعلى بنسبة 50 في المائة إلى 100 في المائة من الاستهلاك الفعلي. ويعني ذلك أن القياس يغفل عددا كبيرا من الأسر الفقيرة في جميع البلدان تقريبا: في المتوسط، يحسب الاختبار 80 في المائة من الأسر الفقيرة على أنها غير فقيرة، ويحسب 40 في المائة من الأسر غير الفقيرة على أنها فقيرة.
إنشرها