FINANCIAL TIMES

دقت ساعة الانقلاب على مقاييس سميث لثروة الأمم

تخيل شخصين، سنطلق عليهما بيل وبن. بيل مصرفي استثماري في مرتبة متوسطة، يحصل على صافي راتب سنوي يبلغ نصف مليون جنيه، بعد اقتطاع الضرائب. بن يعمل بستانيا وصافي دخله 25 ألف جنيه سنويا. أيهما أحسن حالا؟
إذا نظرنا إلى الموضوع من خلال الدخل، فمن الواضح أن بيل أغنى، وبالتحديد أغنى من بن بعشرين مرة.
على أن أيهما أفضل من الناحية المادية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب علينا أن نعرف مزيدا عما لدى كل منهما من أصول، وعن ظروفهما بشكل عام.
بلغة المحاسبة الوطنية، راتب بيل البالغ نصف مليون جنيه يعادل الناتج الأهلي الإجمالي. بمعنى أنه يمثل "حركة" الدخل المكتسب في السنة، مثلما يعلم أي بنك عقاري، هذا لا ينبئك بشيء عن ثروته أو عن راتبه في السنة المقبلة، أو السنة التي تليها.
هل ذكرتُ أن بيل غارق إلى أذنيه في الديون بعد أن استنزفته نفقات الطلاق، أو أنه مدمن على تناول الكوكايين، وهي عادة مكلفة؟ باع بيل معظم ما لديه من أصول، بما في ذلك دراجات هارلي دافيدسون الكلاسيكية الثمينة.
وهو عالق بقرض سكني مكلف وعدة دفعات من قسط سيارته بورش (التي أصيبت بعدة خدوش). وحيث إنه في التاسعة والخمسين من عمره، فإنه لم يعد ناجحا كالسابق في عمله. في الواقع، هو على وشك أن يُفصَل من عمله، حين ينقل المصرف فريقه العامل في المشتقات من لندن إلى فرانكفورت.
من جانب آخر، يعيش بن في قصر ريفي تبلغ قيمته 100 مليون جنيه ورثه عن عمة والده. في عطلات نهاية الأسبوع، يشغل نفسه في حديقته المبنية على غرار قصر فرساي، ويدفع لنفسه راتبا رمزيا.
هذا العام، قبل أن يبلغ 21 سنة من العمر، يعتزم أن يبيع القصر وينتقل إلى شقة متواضعة في نايتسبريدج. وسوف يستثمر المبلغ المتبقي من البيع، البالغ نحو 95 مليون جنيه، ويعيش من الفائدة التي يتقاضاها على المبلغ، في الوقت الذي يكمل فيه دراسته الجامعية ليكون محاميا مختصا في براءات الاختراع، وهي مهنة يفترض أن تُكسِبه مصروفا كافيا في السنوات المقبلة.
الآن من الذي ترى أنه أغنى. بيل المصرفي أم بن البستاني؟
يقال إن ميشال كاليكي، الاقتصادي البولندي، وصف الاقتصاد بأنه "علم الخلط بين مخزون الثروة وتحركات الرساميل".
المستثمرون يراجعون الميزانية العمومية للشركة وكذلك أرباحها وخسائرها. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بتقييم أمة ما، فإننا نعْلق في معظم الأحيان مع الناتج الأهلي الإجمالي، الذي يحسب قيمة السلع والخدمات المنتجة في فترة معينة.
يمكن أن تكون أرقام الناتج االأهلي الإجمالي مضللة. ينطبق ذلك بصفة خاصة على البلدان الغنية بالموارد.
متوسط دخل الفرد في منطقة الخليج، يبلغ نحو 20 ألف دولار سنويا، لكنه يعتمد على سعر النفط وحجم إنتاجه، الذي سينفد يوما ما.
عندما ينفد النفط، ما لم يكن الخليجيون قد توصلوا إلى طريقة للتعويض عن الدخل الضائع – من خلال تطوير صناعات قائمة على التكنولوجيا العالية يعمل بها أناس متعلمون – فإن المنطقة ستصبح بلدا على شاكلة بيل المصرفي.
وكما يقول بول كولير، أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في كلية بلافاتنيك الحكومية، إنه درس يصعب استخلاصه من إحصاءات الدخل القومي. نحن نحتاج إلى تحديثات منتظمة للموازنة العامة لبلد ما من أجل "إطلاق النذير" بشأن السياسات غير المستدامة.
هذا ليس شيئا يفوت على القادة الحاذقين. الكثير من الإلحاح الموجود وراء جهود الإصلاح في الخليج، ينبع من تصميم واضح على تنويع الاقتصاد قبل فوات الأوان.
يقول كيرك هاملتون وكاميرون هيبورن في كتابهما الأخير "الثروة الوطنية: ما هو مفقود؟ ولماذا يهمنا ذلك؟": "السياسات التي توجد الثروة تتجاوز زيادة الإنتاج، فهي تشتمل على الاستثمارات اليوم من أجل تحقيق العوائد في المستقبل".

شكوك حول المصطلح منذ حين
كانت لدي منذ فترة طويلة شكوك حول الناتج الأهلي الإجمالي كمقياس دقيق لمستويات المعيشة واستدامة الثروة.
حين كنتُ مراسلا شابا لدى صحيفة "فايننشال تايمز" في أمريكا اللاتينية في التسعينيات، سرعان ما تعلمت أن أبلغ بدقة عن التذبذب الفصلي للناتج الأهلي الإجمالي، وأن أعطي مقالاتي لمسة من الوقار عن طريق نشر الناتج الأهلي الإجمالي كمقام للكسر.
كانت أفضل صورة للتعبير هي عن نسب الإيرادات الضريبية أو مستويات الديون أو الإنفاق على التعليم، من الناتج الأهلي الإجمالي لتسهيل إجراء المقارنات بين البلدان. بخلاف علمي بأن الناتج الأهلي الإجمالي مقياس للناتج الاقتصادي، لم أكن أفكر قط في الكيفية التي كان يحسب بها بالضبط أو ما يعنيه بدقة.
وفي وقت لاحق، حين كنتُ مراسلا في اليابان، كنت أتساءل لماذا يبدو الناس وكأنهم من ميسوري الحال إلى حد كبير، في حين لم يتزحزح الناتج الأهلي الإجمالي الاسمي عن مكانه لمدة 20 عاما.
كان الانكماش وانخفاض النمو السكاني جزءا من الجواب. هذا يعني أن الدخل الحقيقي للفرد أعلى من الرقم الاسمي المقترح. على أن نوعية الخدمات والتكنولوجيا أيضا لها أثر كبير في مستويات المعيشة.
بالنسبة إلى الناتج الأهلي الإجمالي، كان متجر ميتسوكوشي الأنيق مثل متجر وول مارت، كما أن قطار الركاب البريطاني القديم كان يؤدي الغرض منه تماما مثل قطار شينكانسن الياباني، الذي يسير مسافة 200 ميل في الساعة، ويصل حسب المواعيد بدقة تقاس بكسور من الثانية.
وفي وقت لاحق، في الصين، كنتُ أتعجب عاما بعد عام من النمو بأرقام من خانتين، ولكني كنت قلقا من أنه لم يكن هناك أحد يأخذ أي حساب إحصائي للتكاليف الواضحة للعيان، وفي المقام الأول النمو في الهواء المسموم والتربة المستنزَفة.
كان يبدو أن هناك شيئا يدل على الاختلال، فإذا كانت الصين تنفق المال لتنظيف الفوضى التي لديها، فإن ذلك سيعتبر أيضا نموا، تماما مثلما أن الناتج الأهلي الإجمالي يحسب الأموال التي تنفق على إصلاح الأضرار بعد الكوارث الطبيعية أو الهجمات الإرهابية أو الحرب. على ما يبدو، أي نشاط يُحسَب ضمن الناتج الأهلي – حتى لو حفرتَ حفرة ثم طمرتَها من جديد.
اكتشفت في آخر وظيفة لدي، كمحرر للشؤون الإفريقية، أن بيانات الناتج االأهلي الإجمالي - التي غالبا ما يتم التعامل معها على أنها مقدسة وتستخدم، على سبيل المثال، لتحديد مستويات مناسبة من الاقتراض – هي بلا معنى من الناحية العملية.
الطرق الاعتيادية المستخدمة لاحتساب الناتج الأهلي الإجمالي، تعتمد على استبيانات مكلفة للشركات والأسر، وكانت في أحيان كثيرة مكلفة فوق الحد بالنسبة للحكومات التي تعاني من ضائقة مالية.
إضافة إلى ذلك، كانت تخفق في أن تفسر بشكل سليم النشاط في القطاعين الضخمين، القطاع غير الرسمي، وقطاع مصادر الرزق.
وقد أخبرني تيري ريان، رئيس المكتب الوطني للإحصاء في كينيا، أنه إذا كان 72 في المائة من الكينيين يعيشون - كما تشير البيانات الرسمية - على دولار أو دولارين في اليوم، فإن: "72 في المائة من أهل كينيا هم أموات".
وفي نيجيريا، كشفت تغييرات طفيفة في المنهجية المنفذة في عام 2014 أن الاقتصاد كان أكبر بنسبة 89 في المائة مما كان مفترضا، الأمر الذي جعل من التقديرات السابقة أضحوكة.
مرة أخرى في كينيا، قالت مجموعة من الاقتصاديين إنه يمكنهم رصد الاقتصاد من الفضاء الخارجي بشكل أكثر دقة من الناتج الأهلي الإجمالي. أظهرت صور الأقمار الصناعية للأضواء الليلية، أن إحصاءات الدخل الوطني كانت تفوِّت مساحات واسعة من النشاط، خارج العاصمة نيروبي.
وفي الوقت الذي بدأت فيه القراءة أكثر في البحوث من أجل كتاب كنت أقوم بتأليفه بعنوان: "وهم النمو"، توصلت إلى أنني لم أكن وحدي على الإطلاق في شكوكي. كانت هناك أدبيات أكاديمية كاملة، وصناعة مصغرة تحظى باحترام متزايد يوما بعد يوم، تشكك في قدرة الناتج الأهلي الإجمالي على تقديم صورة عن حياتنا.

مساهمة كوزنتس في الثلاثينيات
هذا المصطلح اخترعه في الثلاثينيات سايمون كوزنِتْس، في البداية كوسيلة لحساب الأضرار الناجمة عن الكساد الكبير. وبالتالي هو نتيجة عصر التصنيع. وهو مفيد في تتبع "الأشياء التي يمكن أن تسقط على قدمك"، لكنه يعاني من أجل فهم الخدمات – ابتداء من التأمين على الحياة والبستنة المناظر الطبيعية إلى الكوميديا الفردية على خشبة المسرح - التي تشكل نحو 80 في المائة من الاقتصادات الحديثة. أما الإنترنت فهو حتى أكثر إثارة للحيرة.
إن موسوعة ويكيبيديا، التي تضع مجموع المعرفة البشرية في متناول أيدينا، قيمتها هي صفر بالضبط، بمقياس الناتج الأهلي الإجمالي!
ثم إن الناتج الأهلي الإجمالي ليس لديه شيء مفيد يقوله بشأن توزيع الدخل. ولقد حذر كوزنِتْس على وجه الاستعجال من أنه لا يجب مطلقا الخلط بين مقياسه وبين الرفاهية.
وفي حين أننا نُعامل الناتج الأهلي الإجمالي على أنه الرقم الذي لا مثيل له، فإن ذلك يعني أننا تجاهلنا تحذير كوزنِتْس.
من بين مواطن القصور في مفهوم الناتج الأهلي الإجمالي، الفشل في التمييز بين حركة الدخل ومخزون الثروة، الذي أبرزْتُه من خلال قصة بيل وبن، وهو أخطرها جميعا.
كان بارثا داسغوبتا، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة كامبريدج، يحاول منذ عقود ابتكار طرق لقياس الثروة. ويقول إن "الكلمة المارقة" في عبارة الناتج االأهلي الإجمالي هي "الإجمالي": "إذا أزيلت المياه من الأراضي الرطبة لإفساح المجال لإنشاء مركز للتسوق، فإن بناء هذا الأخير يسهم في الناتج االأهلي الإجمالي، ولكن تدمير الأول يمضي دون تسجيل".
عندما ذهبت لرؤية داسغوبتا، الذي هو الآن في منتصف السبعينات من العمر، في غرفته في كلية سانت جون، بدأ الحديث عن التفاعل المعقد بين الثروة والدخل.
وقال إنه يمكن لنا أن ننظر إلى ذلك من حيث التخطيط للحياة. قد تستخدم الأسرة الدخل لشراء أحد الأصول، كمنزل مثلا، أو قد تتاجر في أحد الأصول لدفع ثمن التعليم، الذي بدوره يمكن أن يتحول لاحقا إلى دخل أعلى. وقال، مع أي كيان - عائلة أو شركة أو دولة - الثروة هي "ما يتيح لك التخطيط"، من خلال "تحويل شكل واحد من رأس المال إلى شكل آخر".
بالنسبة للأمم، بعض أشكال رأس المال أسهل من حيث العد من غيرها. رأس المال التصنيعي يشتمل على استثمارات في الطرق والموانئ والمدن.
ومن السهل نسبيا تقييمها وتحتفظ كثير من البلدان بمخزونات رأس المال. رأس المال البشري هو حجم ومهارة القوة العاملة. ويشتمل رأس المال الطبيعي على مصادر غير قابلة للتجديد، مثل النفط والفحم، ومصادر الطاقة المتجددة، بدءا من الأراضي الزراعية إلى النظم الإيكولوجية المعقدة، التي توفر المياه والأكسجين والمواد المغذية.
يمكن أن تبدو محاولات وضع قيمة كمية لبعض هذه الأصول سخيفة. في عام 1997، أثار الاقتصادي البيئي روبرت كوستانزا ضجة حين وضع تقديرا لقيمة رأس المال الطبيعي للكوكب – ما نعتبره أنا وأنت "الطبيعة" - بحدود 33 تريليون دولار.
وكانت المجاميع التي نشرها في مجلة "الطبيعة" العلمية قد تعرضت لهجوم شديد من قبل كل من الاقتصاديين التقليديين الذين كان رأيهم أن هذه العملية غير علمية، ومن جانب علماء البيئة الذين اعترضوا على فكرة تعليق علامة الدولار على المحيط أو الغابات المطيرة.
توصل كوستانزا، على سبيل المثال، إلى أن "قيمة" البحيرات والأنهار 1.7 تريليون دولار، في حين أن إعادة التدوير البيئي، وهي "خدمة النظام الإيكولوجي"، وفرت 4.9 تريليون دولار من المنفعة للبشرية.
حين نصف حساباته بأنها "تقريبية" فإن هذا يعتبر إهانة لفكرة التقريب، ولكن عندما واجه تحديا حول منهجه، أجاب: "نحن لا نعتقد أن هناك طريقة واحدة مناسبة لتحديد قيمة خدمات النظام الإيكولوجي، ولكن هناك طريقة خاطئة، وهي لا تقيّم كل شيء". بعض الاقتصاديين ينظر بعين الارتياب إلى أية محاولة لاحتساب الاستنزاف الطبيعي. عندما سألت لورانس سَمَرز عن ذلك، شجب ما رأى أنه محاولة وهمية من قبل علماء البيئة للحد من النمو.
وكانت شكواه الرئيسة هي أن محاسبي الثروات يسارعون إلى الصراخ عندما كانت تستنزف الموارد، ولكنهم بطيئون في الاعتراف عندما تتم زيادتها.
وقال سَمَرز إن التكنولوجيا الجديدة، مثل التكسير الهيدروليكي والحفر في أعماق البحار، زادت من احتياطيات النفط والغاز القابلة للاستغلال. وكان عقد مؤتمرات الفيديو إنجازا يعني أن بإمكان الناس عقد مزيد من الاجتماعات الدولية، وفي الوقت نفسه الحد من الانبعاثات المتصلة بالسفر.
محاسبو الثروات، كما قال، ليسوا صادقين أبدا بما فيه الكفاية للاعتراف بالكيفية التي يمكن من خلالها للابتكار أن يضيف إلى الثروة وكذلك في الكيفية التي يطرح منها.
وقال وهو يزمجر فعليا خلال المكالمة الهاتفية: "الأمر برمته هو نوع من القنوط والكآبة. وهو أمر يدعو الجميع إلى البقاء في المنزل. على الجميع البقاء في المنزل والعمل بالحياكة".
سَمَرز محق في أن من الصعب معرفة مقدار قيمة المخزون الحالي من رأس المال، حيث يمكن أن تتغير قيمته اعتمادا على التطورات التكنولوجية أو السياسية.
كان الكوبالت في الماضي من المنتجات الثانوية المثيرة للاهتمام بشكل أقل من النحاس. الآن هو المكون الأساسي الذي لا غنى عنه لبطاريات السيارات الكهربائية.
كان النفط هو الذهب السائل ولربما يكون كذلك مرة أخرى، إلا أن القوانين التنظيمية البيئية الأكثر صرامة يمكن أن تجعل منه في يوم ما، أحد الأصول العالقة التي لا تساوي شيئا.
من ناحية فلسفية، من الصعب وضع تسعيرة تغطي المستقبل.
واحدة من الفضائل المفترضة لحساب الثروة هو أنه ينظر إلى الأمام، فهو يحلل مخزون اليوم من رأس المال الذي سوف ينتج حركة الدخل غدا. ومن ناحية أخرى، فإن الناتج الأهلي الإجمالي يتطلع إلى الوراء.
إنه مجرد حصيلة الإنتاج الكلي خلال فترة محددة في الماضي. لذلك، من الناحية النظرية، يجب أن يساعد حساب الثروة جيلا ما على التفكير في شأن الجيل التالي.
في الممارسة العملية، كما قال لي زميلي الكبير مارتن وولف، هناك حدود. صحيح أننا نحب أطفالنا وأطفالهم وحتى أطفالهم الذين لم يولدوا بعد، ولكن ماذا عن الأطفال الذين بعدهم وبعد بعدهم؟
وأضاف: "سؤال الاستدامة هو جزئيا السؤال التالي: من يهتم بالمستقبل؟" وقال إنه على المدى الطويل، "سوف نكون جميعا حساءً لا طاقة فيه، ولا طائل منه".
عند وضع هذه الاعتبارات العملية والفلسفية جانبا، هناك الآن زخم حقيقي وراء حساب الثروة، حتى بين أكثر المؤسسات تمسكا بالجانب التقليدي. وفي هذا الشهر، سيصدر البنك الدولي أكثر المحاولات شمولا حتى الآن لحل المشكلة.
كتاب "الثروة المتغيرة للأمم 2018" هو ثمرة سنوات من العمل من قبل فريق متخصص. ويستند هذا التقرير إلى البحوث المنشورة خلال الفترة من 2006-2011.
وفي أحدث بياناته، يصدر البنك الدولي حساب ثروات شاملة لـ 141 بلدا تغطي الفترة من 1995 إلى 2014. بالنسبة لكل بلد، هناك تقديرات لرأس المال "المنتج"، بما في ذلك الأراضي الحضرية والآلات والبنية التحتية.
ويشمل رأس المال الطبيعي القيم السوقية لموجودات تحت الأرض مثل النفط والنحاس والأراضي الصالحة للزراعة والغابات وتقديرات محافظة للمناطق المحمية التي يتم تسعيرها كما لو كانت أراضي زراعية.
لأول مرة يقدم البنك الدولي على محاولة صريحة لقياس رأس المال البشري. وباستخدام قاعدة بيانات تضم 1500 دراسة استقصائية للأسر، فإنه يقدر القيمة الحالية لأرباح العمر المتوقعة لكل فرد على كوكب الأرض.
تقول جلين ماري لانج، المحررة المشاركة للتقرير ورئيسة فريق محاسبة الثروة في البنك: "نحن ننظر إلى الناتج الأهلي الإجمالي على أنه عائد على الثروة. يحتاج صناع السياسة إلى هذه المعلومات لتصميم استراتيجيات لضمان استمرار نمو الناتج الأهلي الإجمالي على المدى الطويل".
ومن بين النتائج التي توصل إليها التقرير، التي تم حظر تفاصيلها الكاملة، هناك تحول ضخم في الثروة على مدى 20 عاما للبلدان المتوسطة الدخل، مدفوعا إلى حد كبير بصعود الصين والبلدان الآسيوية الأخرى.
غير أن ثلث البلدان المنخفضة الدخل، ولا سيما في إفريقيا، عانت من انخفاض حاد في نصيب الفرد من الثروة خلال تلك الفترة، فيما يمكن أن يكون نذيرا خطيرا بقدرتها على النمو في المستقبل.
وفي العالم ككل، يرى التقرير أن رأس المال البشري يمثل 65 في المائة من إجمالي الثروة. وفي عام 2014، بلغ هذا المبلغ 1143 تريليون دولار، أي نحو 15 مرة ضعف الناتج الأهلي الإجمالي العالمي لذلك العام.
التقرير مفيد بشكل خاص في تتبع المسار نحو التنمية في الوقت الذي تبدل فيه البلدان، على النحو الذي وصفه داسغوبتا، شكلا واحدا من أشكال رأس المال بشكل آخر.
بتعبير فج، البلدان تستغل الدخل المتأتي من الموارد الطبيعية لبناء أشكال أخرى من رأس المال، ولا سيما في الهياكل الأساسية والتكنولوجيا والصحة والتعليم.
وعلى الرغم من أن رأس المال الطبيعي يمثل 47 في المائة من ثروة البلدان المنخفضة الدخل، إلا أنه لا يمثل سوى 3 في المائة من ثروة البلدان الأكثر تقدما.
يقول كولير من كلية بلافاتنيك ومؤلف كتاب: "المليار الأدنى"، وهو كتاب عن الاقتصادات الفاشلة، أن الدرس هو أن طفرات الناتج الأهلي الإجمالي لا تخبرك بأي شيء إذا كنت لا تعرف ما هي الثروة الأساسية في الاقتصاد.
في إفريقيا، بلدان مثل نيجيريا، حولت الموارد إلى طفرات استهلاكية، لكنها أخفقت بشكل عام في إنشاء بنية تحتية أو الاستثمار في السكان الأصحاء والمتعلمين، الذين يرجح أن يعملوا على استدامة النمو في المستقبل.
يقول كولير إن معظم إفريقيا: "حفرت واستخرجت ما في باطن أرضها وقطعت أشجارها، لكنها لم تنشئ ما يكفي مكانها. هذا ليس نموا قابلا للاستدامة. بل هو وهم من بيانات الحركة".
هذا درس كان يجدر ببيل، المصرفي المدين ذي الآفاق المحدودة في الدخل، أن يفقهه تماماً، قبل أن يؤول إلى ما صار إليه.

• الكاتب مؤلف كتاب جديد بعنوان: "وهم النمو: الثروة، والفقر، ورفاهية الأمم"، الذي سيصدر عن دار بلومزبيري في بريطانيا في 25 كانون الثاني (يناير) الجاري، وعقب ذلك في أمريكا عن دار تيم دوجان للكتب في 30 كانون الثاني (يناير) الجاري.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES