المشراق

المشتى والمرباع والمصطاف

تسمى إقامة العرب في الشتاء مشتى، وفي الصيف مصطافا، وفي الربيع مرباعا ومتربعا، وهي عادة لهم منذ القدم. جاء في معاجم اللغة كما في لسان العرب: "السنة عند العرب اسم لاثني عشر شهرا؛ ثم قسموا السنة فجعلوها نصفين: ستة أشهر وستة أشهر، فبدأوا بأول السنة أول الشتاء لأنه ذكر والصيف أنثى، ثم جعلوا الشتاء نصفين: فالشتوي أوله والربيع آخره، فصار الشتوي ثلاثة أشهر والربيع ثلاثة أشهر، وجعلوا الصيف ثلاثة أشهر والقيظ ثلاثة أشهر، فذلك اثنا عشر شهرا... قال ابن بري: الشتاء اسم مفرد لا جمع بمنزلة الصيف لأنه أحد الفصول الأربعة، ويدلك على ذلك قول أهل اللغة أشتينا دخلنا في الشتاء، وأصفنا دخلنا في الصيف، وأما الشتوة فإنما هي مصدر شتا بالمكان شتوا وشتوة للمرة الواحدة، كما تقول: صاف بالمكان صيفا وصيفة واحدة، والنسبة إلى الشتاء شتوي، على غير قياس. وفي الصحاح: النسبة إليها شتوي وشتوي مثل خرفي وخرفي؛ قال ابن سيده: وقد يجوز أن يكونوا نسبوا إلى الشتوة ورفضوا النسب إلى الشتاء، وهو المشتى والمشتاة، وقد شتا الشتاء يشتو، ويوم شات مثل يوم صائف، وغداة شاتية كذلك. وأشتوا: دخلوا في الشتاء، فإن أقاموه في موضع قيل: شتوا؛ قال طرفة:
حيثما قاظوا بنجد، وشتوا عند ذات الطلح من ثنيي وقر
وتشتى المكان: أقام به في الشتوة. تقول العرب: من قاظ الشرف وتربع الحزن وتشتى الصمان فقد أصاب المرعى. ويقال: شتونا الصمان أي أقمنا بها في الشتاء. وتشتينا الصمان أي رعيناها في الشتاء. وهذه مشاتينا ومصايفنا ومرابعنا أي منازلنا في الشتاء والصيف والربيع. وشتوت بموضع كذا وتشتيت: أقمت به الشتاء. وهذا الذي يشتيني أي يكفيني لشتائي؛ وقال يصف بتا له:
من يك ذا بت فهذا بتي،
مقيظ مصيف مشتي،
تخذته من نعجات ست".
ويتكرر ذلك كثيرا في كلام العرب وشعرهم في الجاهلية والإسلام، قال الصمة بن عبد الله القشيري:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا
بنفسي تلك الأرض ما لأطيب الربا وما أحسن المصطاف والمتربعا
ويعلق أبو العلاء المعري في كتابه "معجز أحمد" على قول المتنبي:
الدهر معتذر والسيف منتظر وأرضهم لك مصطاف ومرتبع
فيقول "المصطاف: موضع الإقامة في الصيف والمرتبع: في الربيع".
ووقع العالم الجليل أبو منصور الأزهري (ت 370هـ) في أسر القرامطة سنة، فكان ذلك أكبر معين له على تأليف كتابه "تهذيب اللغة". قال الأزهري في مقدمة كتابه السالف محددا أماكن إقامته معهم في الصيف والشتاء والربيع "وكنت امتحنت بالإسار سنة عارضت القرامطة الحاج بالهبير، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد بالهبير نشئوا في البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النعم ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهرا طويلا. وكنا نتشتى الدهناء، ونتربع الصمان، ونتقيظ الستارين، واستفدت من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب، وستراها في موضعها إذا أتت قراءتك عليها إن شاء الله".
وما زالت العادة مستمرة عند العرب المتأخرين، في كلامهم وشعرهم مع اختلاف يسير في المفردات، ونصوص الشعر النبطي كثيرة في ذلك منذ عدة قرون، فهذا شاعر من القرن الحادي عشر الهجري وهو خليل بن عايد يقول واصفا ناقة:
مرباعها الصمان دون الحتيفات
فوقه سواة الرجم تجفل من الطير

وقال الشيخ مشعان بن هذال:

يالله طلبتك عند سرحات الأدباش
ذود مغاتير ويبرا لهن سود
مرباعها الصمان تبعد عن الطاش
ومقياظها دخنة إلى صرم العود
وقال الشاعر محمد بن لعبون:
تحيل الخباري بعد ما اسقى الوارد
لظعون مي به ربيع ومصيافي

وقال الشاعر سليمان الطويل:
أمس الضحى عديت راس الجذيبه
ياكثر دمع العين يوم حذفت به

مريت مرباعه فياض عذيبه
وما كان في عيني من الدمع جت به

وقال الشاعر ركاد ابو عنقا الشمري:
هل الهلال وصار بالقلب ملال
والحال تقل ملاطفه له بريضي
القلب شال وجال من كثر الاقبال
مشتاي مرباعي بعقدة مقيضي
وجمع الشاعر عجران بن شرفي كل هذه الألفاظ في بيت واحد فقال:
دار لنا فيها مقيظ ومصايف
ومشتى ومرباع وكل نضده
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق