المشراق

زوجة السفير تعرض تفاصيل الثقافة الفارسية أيام الشاه

هذا الكتاب يتحدث عن الوضع في إيران أيام الشاه قبل أن تقوم الثورة ويسيطر حكم ولاية الفقيه وتتغير الثقافة في إيران ويزداد الحال سوءا وفقرا.
سنتينا هلمز زوجة السفير الأمريكي ديك ريتشاد هلمز في إيران منذ عام 1972 ولمدة أربع سنوات، ولدت في بريطانيا وتزوجت وانتقلت إلى العيش في الولايات المتحدة، وعملت لدى مجموعة آل سميث للإعلام كمذيعة في الراديو، تقدم برامج آسرة، حيث إنها تلتقي عددا كبيرا من العلماء والباحثين والمختصين والفنيين والمؤرخين، وعملت أيضا في معرض التماثيل الوطنية، وفي عدد من المتاحف التاريخية، فهي امرأة مليئة بالتجارب والحياة، وسنحت لها فرصة اكتشاف الشرق من خلال عمل زوجها سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية في إيران، بعد أن عاشت الزوجة أحداث محاصرة بعض رجال الميليشيا للسفارة الأمريكية، فكانت حياتها مختلفة عن الآخرين إذ إنها حرصت على استكشاف بلاد إيران والتنقل شمالا وجنوبا وشرقا وغربا لفهم الثقافة الفارسية الإيرانية.
كتبت هلمز كتاب "زوجات السفراء في إيران"، من وجهة نظر رحالة غريبة عاشت أربع سنوات من عمرها في بلد مختلف كليًا عن ثقافتها وبعيد عن توتر العلاقات السياسية بين البلدين الأمريكي والإيراني في تلك الفترة، الكتاب مترجم ترجمة صعبة الفهم أفقدتها سلاسة الأسلوب والانتقال من جملة إلى أخرى لسامي جابر، عن دار المروج في بيروت، عام 1986، الكتاب مكون من مقدمة و18 فصلا، بعدد 189 صفحة من القطع المتوسط، بدأت كتابها بمقدمة ذكرت فيها طريقة اختيار زوجها ديك هلمز سفيرا لإيران بدلا من جوزيف فارلاند، وتطرقت إلى أهمية قراره، حيث إن إيران أصبحت مؤثرة في كل من الشرق والغرب، بعد زيادة حاجة الغرب إلى النفط، وخطط الشاه لتطوير بلده، فموافقته على هذا المنصب سيشكل تحديا كبيرا على جميع الأصعدة، خاصة أنه قد التقى الشاه في عدة مناسبات، وكان قد درس معه في المدرسة السويسرية.
بدأت كتابها بذكر تفاصيل التحضيرات والاستعدادات الجارية التي كانت على قدم وساق لهذا المنصب الجديد، بعد أن وافقت هلمز على أن ترافق زوجها في السفر إلى إيران، بدت شغوفة بالثقافة الشرقية والفارسية على وجه الخصوص، حيث قرأت كتاب فارس والفارسين للوزير الأمريكي بنيامين الذي خدم هناك وترأس أول بعثة من بلادها إلى طهران عام 1883، وتحدثت عن البروتوكولات الخاصة بزوجة السفير وتواصلت مع سفراء سابقين، وكل أدلى بدلوه لها وأرشدها، وتنقلت في فصولها الثمانية عشر وأسهبت كثيرا في وصف جغرافية إيران ومدى تنوع تضاريسها بين جبال ومرتفعات شاهقة وأودية وأراض منبسطة.
وتكمن أوجه أهمية هذا الكتاب في عدة أمور، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكلا البلدين إيران والولايات والمتحدة، وردت فيه معلومات سياسية أوردتها زوجة السفير من وجهة نظر الزوجة والمواطنة، فجاءت على ذكر حركة أيلول الأسود، التي شوهدت وهي تتبع زوجها السفير بعد أن حذرهم مكتب المخابرات الأمريكية من ذلك، وهذه الحركة نشأت في عام 1971، وتحدثت أيضا عن حوادث شهدت عليها كمقتل العقيد الأمريكي لويس لي هاوكنز في إيران، وحادثة الهجوم ومحاصرة السفارة الأمريكية في طهران من قبل الثوار، وثورة الخميني، ونقلت أيضا تفاصيل الشاه محمد رضا بهلوي ونهاية ملكه وبداية حقبة جديدة في التاريخ الإيراني، فكانا معه في اللحظات الأخيرة من انسحابه من الحكم واستقبال الولايات المتحدة له للعلاج في أحد مستشفياتها، تحدثت أيضا عن العلاقات الإسرائيلية الإيرانية حتى لو لم تكن في العلن وعلى صعيد سياسي بل كانت العلاقة مبنية عن طريق إرسال بعثة تجارية لتكون في إيران وهي بمنزلة السفارة، وتحدثت عن زيارة الدبلوماسيين والسياسيين إلى السفارة في طهران، وأسهبت كثيرا في وصف شخصية هنري كسنجر وزوجته نانسي.
وعلى صعيد التاريخ الفارسي وتطور السياسة الإيرانية، سجلت أحداث ثورة الدستور عام 1906 لتكريس المذهب الشيعي كمسار للدولة، وفصلت في المجالس السياسية والدينية، وتطرقت إلى القوميات والأديان والأقليات الموجودة في إيران ومدى تعرض البهائية إلى النبذ وعدم الحصول على حقوق المواطنة كغيرهم من المذاهب، فذكرت هلمز أنها وجدت صعوبة بالغة في فهم الفوارق الدقيقة التي نشأت بين الثقافة والديانة والسياسة، ما أوقعها في الحيرة.
ولم يغب عنها أن تتعلم على يد معلمها الإيراني حسين نصر وهو صوفي وبروفيسور في الفلسفة الإسلامية، ودارت بينهما حوارات عدة حول فهم الثورة الإسلامية بقيادة الخميني عام 1979، ولم تفوت أي فرصة حوار عن الثقافة الفارسية مع أي شخص مسؤول كحواراتها الكثيرة مع وزير خارجية إيران عباس خالاتياري.
وعلى الصعيد الاجتماعي فقد التقت زوجة الشاه فرح ديبا، وتحدثت معها عن تفاصيل كثيرة لا تدور إلا بين النساء، وشاهدت النساء الإيرانيات، واصفة جمالهن وطولهن الفارع ونحالتهن وهن متشحات بالسواد، وعن طريقة لبسهن ومناقشة قناعاتهن في هذا الزي، وأبهرتني بوصفها الدقيق وعرضها الأنيق عند حديثها عن المجوهرات الملكية الإيرانية، التي كانت تشكل مصدرا مهما لتجهيز الجيوش للحرب قبيل اكتشاف النفط، وفي بداية القرن العشرين قد منح الشاه حق استعارة المجوهرات من قبل أفراد الأسرة المالكة، لكن بعد المرور بإجراءات طويلة ومعقدة.
وتطرقت أيضا إلى عادات الشعب الإيراني خاصة الرجال وعدم احترامهم قوانين الطريق والمارة، وكأنه إذ استحوذ على بقعة من الأرض تصبح ملكه وحده، وبعدها انتقلت لوصف الأكل الإيراني والخبز على وجه الخصوص وأشهر الأنواع كانت: باربايوسانجيك.
تحدثت أيضا عن الجانب الاقتصادي بزيارتها عددا من الأسواق والدكاكين، والتجار الإيرانيين وعرضت دورهم الكبير في تمويل الجماعات القومية ومساهمتهم في بناء المدارس الإسلامية وطباعة الكتب وتأسيس المعاهد الدينية في مشهد وشيراز وغيرها، ودعم تنظيمات رجال الدين الشيعة، ودورهم مع الأيتام والأرامل والمعوزين، وتحدثت عن شدة حرصهم على حصر زواجهم بين أسر التجار لتقوية مركزهم الاجتماعي والسياسي.
على الصعيد نفسه التقت هلمز التجار اليهود، ونقلت ما رأته من جماليات في صناعة السجاد الإيراني ذات التصاميم الجميلة والمعقدة والمتميزة بسعة خيال المصممين والمطرزين، فإيران - على حد قولها - مليئة بمصادر الإلهام، وهذا ما زاد في قيمة السجاد الإيراني حول العالم.
فكتابها يحمل قيمة تاريخية سياسية ودينية واقتصادية عن تلك الحقبة التاريخية، باعتباره نقل عن شاهد عيان في أغلب الأحداث التي حدثت منذ تولي زوجها السفارة حتى خروجه منها، فأهمية هذا الكتاب تكمن في أخذ تفاصيل البروتوكولات المقدمة للحصول على موافقة هذا المنصب، والإجراءات المتخذة لإيفاء متطلبات السفر والسكن والحياة والعمل السياسي وتقديم أوراق الاعتماد لرئيس البلاد المتوجهة إليها، وكثير من التفاصيل، فنوعية هذه الكتب تعد نقلا حيا لتفاصيل دقيقة عن حياة السفراء والبلدان الممثلين لها مع البلدان الأخرى.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق