ثقافة وفنون

«ديجيتولوجيا» .. البقاء للأذكى

في عالم اليوم تتشكل علاقة جديدة بين الإنسان والآلة، وهذا التحول يقودنا نحو مستقبل نتكهن معالمه من ناحية سرعة التطور التكنولوجي، ولكننا نجهل معالمه من ناحية تلقي الإنسان لهذا التطور، والتحول السريع نحو الذكاء الاصطناعي. كل ذلك يفرض على الوسط الثقافي والأكاديمي مجالا علميا جديدا تجدر دراسته والبحث فيه والتأليف عنه، وهو المجال الذي يبحث في تقاطعات الإنترنت مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من جانب، والمجالات الأكاديمية النوعية من جانب آخر.
ديجيتولوجيا: الإنترنت، اقتصاد المعرفة، الثورة الصناعية الرابعة، المستقبل. كتاب من تأليف رامي عبود. كتاب يبحث في فلسفة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بوصفها مبحثا جديدا، عالميا. والهدف الأساسي وراء الكتاب هو فحص القضايا التي تقع عند نقاط تقاطع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من جانب، مع مختلف مجالات الحياة وقطاعات الإنتاج، من جانب آخر.
يخاطب المؤلف القارئ في بداية الكتاب قائلا "لعلك، عزيزي القارئ توقفت عند عنوان هذا الكتاب، الذي قد لا يبدو مألوفا بالنسبة لك. ديجيتولوجيا (بتعطيش الجيمين) هي لفظة عامية وغير شائعة عربيا. لكنها، وردت قياسا على البنية اللغوية لكلمات شائعة عربيا وغير عامية في الوقت ذاته". وكلمة ديجيتولوجيا هي المصدر الصناعي للكلمة الأجنبية المركبة من digito اسم بمعنى رقم أو عدد والصفة منه digital، وهي تدل أساسا على آلية التخاطب مع الأجهزة الكمبيوترية أو ما يسمى "لغة الصفر ـ واحد". وتتكون في الجزء الثاني منها من اللاحقة اللاتينية logy بمعنى علم أو مبحث أو فرع من فروع المعرفة. ومن ثم، تدل كلمة ديجيتولوجيا، عموما، على الموضوعات التي تتصل بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل الكمبيوتر والإنترنت والبرمجيات والهواتف الذكية والروبوتات والذكاء الاصطناعي ومحتوى الويب ... إلخ.
هذا الكتاب عبارة عن جملة من المقالات التي نشر المؤلف بعضها في الصحافة العربية على مدى أكثر من عام. تحرى فيه الكاتب أن تكون لغته سهلة المأخذ بعيدة عن التعبيرات المتعالية، والعبارات المعقدة، إلا في بعض المصطلحات التي تفرض نفسها بسبب طبيعة الموضوع المطروح وتشعبه في تخصصات مختلفة. وقد اجتهد المؤلف في اقتراح مرادفات عربية مناسبة للمصطلحات الأجنبية التي لم يعثر على مقابل عربي لها، أو التي رأى أن المصطلح العربي الشائع لا يحمل دلالة دقيقة على المفهوم؛ فلجأ إلى المصطلح الأجنبي مع كتابته بالحرف العربي.
يناقش الكتاب فلسفة العالم الجديد (عالم ما بعد الصناعي)؛ العالم الذي لا نعرف على وجه اليقين ما سينتهي إليه، ولا سيما بعد التطور المتلاحق في علوم الفضاء، وشغف الإنسان باقتحام العوالم ما فوق الكونية. العالم الذي ترتفع فيه حدة المنافسة ويكون البقاء فيه للأذكى وليس للأقوى.
يتوقف المؤلف عند إشكالية المصطلحات المتصلة بالمجال التكنولوجي، ويؤكد أنه بات من الضروري التخلص ما يسميه متلازمة سيبويه، التي تنبعث أعراضها عندما يطغى ولاء الكاتب لسيبويه على ولائه للغته، بل على ولائه لنفسه، أي في علاقة نهوضنا وتقدمنا بتحرير اللغة وتجديدها. ويقصد بذلك حالة التعصب الثقافي المتفشية في الوسط الأكاديمي العربي، التي تؤدي إلى ممارسة صور مختلفة من التسلط الراديكالي على لغة التكنولوجيا والعلم المعاصر. وأبرزها، الإصرار على الاصطلاح العربي الأصيل على حساب إجلاء المفاهيم في عقل المتلقي، وإزالة التشويش الجاثم على وعيه. ولا فرق، هنا، بين التسلط الداخلي الذي يمارسه الباحث ذاته على منتوجه الفكري الخاص، أو الوصاية الخارجية التي يمارسها هؤلاء اللغويون.
اللغة تتطور بمرور الزمن، وتتغير دلالات مفرداتها من حقبة إلى أخرى، حيث يعاد شحن المفردات بدلالات أخرى جديدة، وتحدث قطيعة مع الدلالات المعجمية القديمة. ولهذا من غير المناسب نبش المعاجم العربية التراثية لأجل إحياء مفردات ذات معان لغوية راسخة ومحددة سلفا؛ بهدف الدلالة على مفردات أجنبية ذات معان تكنولوجية مستحدثة. تداخل الدلالات بهذه الطريقة يفضي إلى تشوش مفهوم المصطلح ضمن الوعي العام. وقد تحولت اليوم دلالة أسماء المطبوعات والمنتجات الرقمية؛ في الموسيقى مثلا تختفي (الألبومات) الملموسة (كاسيت وسي دي) ويتحول مفهوم الألبوم إلى ألبومات رقمية موجودة على الآيتونز iTunes. وبالطريقة نفسها التي نستمر عبرها في تعريف مجموعة الأغاني المشتركة في نمط موسيقي معين على أنها "ألبوم"، سوف نستمر في تعريف مجموعة من النصوص المتلاحمة سويا ضمن موضوع معين على أنها "كتاب". ويشير المؤلف إلى أن المفهوم السائد لاسم (الكتاب) سيتغير مستقبلا، وربما يموت الكتاب تماما. وذلك بإعادة تشكيل المفهوم وشحن اللفظ بالدلالة الجديدة التي تتطابق مع طبيعة اللحظة التكنولوجية المزامنة. وحين نتأمل اليوم ما طرأ من تغيرات جذرية على مفهوم الصحافة، بعد أن تحولت من الشكل الورقي إلى الشكل الرقمي الإلكتروني، نجد أننا نتداول مسميات ذات صلة بالصحافة التقليدية مثل (جريدة) و(صحيفة) و(خبر) ولكن مفهومنا المعاصر يختلف عن المفهوم القديم لذات المسميات، التي انفصلت بشكل تدريجي عن مفهومها القديم المتصل بالطبيعة الورقية. والضابط في تصنيف كل من الألبوم، أو الصحيفة، أو الكتاب، هو المحتوى الذي يحدد طبيعة كل مسمى.
ترتبت تبعات اقتصادية بعد ظهور أزمة البترول المعروفة في سبعينيات القرن العشرين، إذ بدأت أوروبا والولايات المتحدة واليابان خصوصا، تدرك مخاطر الاعتماد كلية على التصنيع. وبالتالي، برزت أهمية زيادة القدرة التنافسية عبر استحداث بدائل إنتاجية جديدة. من ثم، ظهرت في الأفق إمكانية نشوء اقتصاد جديد يتأسس على الأجهزة الرقمية. وهنا، بدأت الإرهاصات الأولية لما عرف لاحقا بـ اقتصاد المعرفة، وجوهره نقل المعرفة البشرية إلى الآلات لتتمكن من ممارسة دور فاعل في العملية الإنتاجية بالتوازي مع دور الإنسان. وفيه، تبرز أهمية المعلومات والمعرفة البشرية والخبرات والتعليم والإبداع والابتكار، وعليهم جميعا قامت صناعات جديدة.
إن تسارع الحياة المعاصرة، وتغير الأشياء بسرعة مهولة. لم تواكبها قدرتنا على إدراك هذه التغيرات وتفسيرها وتفكيك اشتباكها مع واقعنا الإنساني. ومن هذا الوعي المتدني نسبيا تنمو لدى المجتمع جملة من الإشكاليات التي تعوقه عن التقدم، وتعطل مسيرة التنمية. وقد تضطر بعض المجتمعات إلى التنازل عن فعلها الذاتي وسط هذا الزخم العالمي، أو ربما يتخذ أفرادها قرارا جماعيا بإنكار مظاهر التحول التكنولوجي ومقاومتها والاصطدام بها. وكل من الحالين كفيل بالزج بالمجتمع خارج العصر. وبهذا يهدف الكتاب إلى تلبيك احتياجات آنية تتعلق بفهم التحولات الديجالتية المعاصرة وطبيعة اللحظة التكنولوجية الخالية ومتغيرات المستقبل. مع ذلك؛ الكتاب لا يزعم أنه يقدم تصورات نهائية، أو حلولا جاهزة بشأن إشكاليات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وقضايا مجتمع المعرفة. ولكنه يسهم في إعادة تنظيم علاقة المجال العام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ سعيا لتحديد موقعنا من هذا المستقبل.
الكتاب فلسفي تقني يأخذك نحو مستقبل تتجلى صورته اليوم بوضوح. ويكشف لنا عن تساؤلات كثيرة حول علاقة الإنسان بهذه التغيرات السريعة، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وأخيرا علاقة الإنسان بنفسه. ماذا تعطينا هذه الثورة الرقمية وماذا تأخذ منا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون