فهم مالية الدولة قبل الإفتاء في الضرائب والرسوم .. وليس العكس

|
كاتب المقال خريج كلية الشريعة، قبل دراسته العليا في الاقتصاد. والمقال علمي محض. أقول ذلك محاولة من البداية لدرء سوء الظن، وما أكثر سوء الظن. يتناقل كثيرون حرمة الضرائب والرسوم بدون تفصيل. والقاعدة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. على من يعطي رأيا أن يفهم مالية الدولة أو بالتعبير الاصطلاحي المالية العامة في عصرنا هذا عليه أن يفهمها جيدا ثم يعطي رأيا في حكم الضريبة وليس العكس. أي أن أوضاع المالية العامة هي المنطلق لمعرفة حكم الضرائب، وليس العكس. قاعدة: لا يمكن للدول قديما وحديثا أن تقدم خدمات للناس بدون تمويل. ومن ثم فالكلام ينصب على معرفة أمرين أساسيين: الأول ما الخدمات المطلوبة من الدول؟ والثاني ما مصدر تمويل هذه الخدمات؟ الخدمات المطلوبة من الدول تطورت واتسعت اتساعا عظيما بعد ظهور الثورة الصناعية، ودخول الآلة في حياة الناس. قارن بين ما تقدمه الدولة الآن وما تقدمه دولة كالأموية أو العباسية. إن معظم ما تقدمه الدول الآن لم يكن موجودا قبل العصر الصناعي عصر الآلة. تركزت الالتزامات المالية للدولة الإسلامية في القديم على أرزاق الجند، وأثمان السلاح، والإنفاق على مصالح الأمة. وهذه المصالح بسيطة وتكلفتها قليلة، مقارنة بما نراه اليوم. ويحدث كثيرا ألا يكفي المال لسداد هذه الالتزامات. ومن ثم كان باب الصدقات خيارا أساسيا. ويدخل من الصدقة تبرع الجند بكل أو بعض أرزاقهم، أو إمهالهم لتصبح مثل دين المعسر. ومن الملاحظ أن الجند لم يكن لهم رواتب في بدايات الدولة الإسلامية. وبعد أن صار لهم رواتب، كان العدد محدودا جدا، حيث كان المتبع النفير ودعوة الناس للمشاركة في الدفاع حال تعرض الدولة لهجوم خارجي. وطبعا السلاح الذي بيد الناس هو نفسه السلاح الذي بيد جند الدولة أو الأعداء، إذ لا وجود لبنادق ورشاشات فضلا عن قنابل ودبابات وطائرات. ماذا بشأن عصرنا هذا؟ هذه أمثلة: جيش نظامي ــ أجهزة أمن متعددة ــ تعليم عام وجامعي وتدريب مهني ــ صحة ــ مياه ــ مساجد وخدمات اجتماعية ــ دعم وضمان اجتماعي ــ خدمات بلدية ــ نقل وطرق ــ خدمات مدنية أخرى متنوعة. وهذه الخدمات بذاتها تكلف مبالغ طائلة، سواء في إنشائها أو تشغيلها. وقلت بذاتها يعني حتى بافتراض أن الفساد قليل جدا، لأن من المستحيل أن يقضى عليه تماما، أي 100 في المائة. السؤال التالي ما مصدر تمويل تلك الخدمات أي مالية الدولة؟ سأبدأ وباختصار بمالية الدولة الإسلامية في القديم، أي قبل عصر الصناعة. كان مسمى بيت المال هو الغالب لوزارة المالية في الدول الإسلامية قبل العصر الحديث. وتركزت مصادر بيت المال في أربعة: الفيء والغنيمة، والجزية والزكاة. وسأتحدث باختصار شديد لضيق المقام. الفيء ما حازه جيش الدولة من أموال الأعداء دون قتال. الغنيمة هي المال المأخوذ من غير المسلمين وتشمل الأرض والأموال المنقولة والأسرى. أما الجزية فما يؤخذ من أهل الكتاب من مال مقابل أمنهم والدفاع عنهم، في بلاد الإسلام. وأما الزكاة فمصارفها معروفة محددة شرعا. وقد ميز الفقهاء نوعين من المال الذي عليه زكاة: المال الباطن، أي الخفي، ويفترض في أصحابه إخراج زكاته، والنوع الثاني المال الظاهر كالزروع والمواشي، وزكاتها هي التي تدخل بيت المال. المصادر الثلاثة الأولى لم يعد لها وجود حاليا، نظرا لتغير الأحوال والزمان. وأما الزكاة فلها مصارف محددة شرعا. ومن ثم نرجع إلى طرح السؤال الجوهري: ما مصدر تمويل خدمات دول العالم في عصرنا هذا؟ تشكل الضريبة ومعها الرسوم أهم مصدر لتمويل ميزانيات الدول في عموم دول العالم. ومن ثم فالحديث داخل الدول ليس عن أصل فرضها، ولكن عن عدالة وجودة وكفاءة الفرض، وحسن صرف المال العام. وهناك أهداف أخرى للضرائب والرسوم خلاف التمويل، ولكن المقام لا يتسع للحديث عنها. بقيت دول الخليج في مأمن نسبي. فقد كنا في فقر شديد، ثم من الله علينا بالنفط وكانت دخوله كافية تقريبا. لكنها لم تعد كذلك مع مرور الوقت وتوسع الاقتصادات وتعقد الحياة وتزايد السكان وتوسع الخدمات المطلوبة من الدول وارتفاع تكاليفها. وليس من المحبذ أن تتوسع حكومات دول الخليج في منافسة القطاع الخاص بمزيد من ممارسة التجارة، فدول الخليج ليست اشتراكية. لكن رقابة سلامة ممارسات القطاع الخاص من واجبات الحكومات. أما على المدى البعيد، فليس من مصلحة الأجيال القادمة استمرار من قبلهم في الإدمان على النفط، خاصة مع كونه مصدرا ناضبا وتهدد أهميته بدائل الطاقة.
إنشرها