العائد الديموغرافي المتوقع في المملكة

|
يرتبط مفهوم العائد الديموغرافي (demographic dividend) بالتحول الديموغرافي في المملكة من مجتمع زراعي/ رعوي إلى مجتمع حضري في معظمه (أي 83 في المائة يعيشون في المدن)، يتسم بمعدلات وفيات منخفضة جدا (معدل الوفيات الخام يقدر بنحو 3.9 في الألف، ووفيات الرضع 7.4 في الألف)، وذلك نتيجة التحسن في مستويات المعيشة والتوسع في الخدمات الصحية. وخلال السنوات الأخيرة، انخفض معدل الخصوبة (الإنجاب) بمعدلات سريعة نوعا، مؤديا إلى انخفاض أعداد صغار السن، ما يعني انخفاض إعالة الصغار. وواكب ذلك زيادة في قوة العمل بمعدلات أعلى من معدلات نمو السكان السعوديين الذين يعتمدون عليها، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، ولكن من المفترض أن يحرر انخفاض نسب صغار السن جزءا من دخول الأفراد أو مواردهم للاستثمار، ومن ثم تحقيق مزيد من الرفاهية للأسرة. وهذا يطلق عليه العائد الديموغرافي الأول الناتج عن التغير في التركيب العمري، كما يسميه كل من رولند لي وأندرو ميسن (Ronald Lee and Andrew Mason). ومن المتوقع أن يستمر هذا العائد لعقدين أو ثلاثة أو ربما أكثر، وذلك حسب سرعة انخفاض معدلات الخصوبة التي ستحد – في النهاية – من نمو قوة العمل، في حين أن التحسن في الوضع الصحي لكبار السن سيزيد من نمو أعدادهم، ومن ثم سيؤدي إلى تآكل العائد الديموغرافي الأول، نتيجة متطلبات هذه الفئة من الرعاية الصحية والاجتماعية، ولكن سيظهر عائد ديموغرافي آخر يحول العوائد السابقة إلى أصول إلى تنمية مستدامة. هذه النتائج الإيجابية لا تحدث بصفة تلقائية، وإنما تعتمد على مدى تبني الدولة سياسات فاعلة، لذلك يطلق على هذا الوضع "نافذة الفرصة" (window of opportunity)، وهي بذلك ليست محفزا مضمونا لتحسن المعيشة، بل إن هذا الوضع يعزى إليه – ولو جزئيا - ما يجري في الدول العربية من اضطرابات وعدم استقرار. وكما هو متوقع، فإن استمرار التحول الديموغرافي والوصول لنهاية المرحلة الوسطى منه – كما يُشير بعض الديموغرافيين – سيؤدي إلى تركز عدد كبير من السكان في السنوات الأخيرة من سن العمل، وكونهم على مشارف فترة تقاعد قد تطول، فإنهم سيكونون في وضع يحفزهم لادخار الثروة والأصول، ما لم يكن لديهم اعتقاد أن احتياجاتهم عند الكبر ستُلبى من قبل الحكومة أو الأقارب وأفراد الأسرة. ولا شك أن استثمارهم لثرواتهم أو أصولهم التي تراكمت لديهم خلال سنوات عملهم سيؤدي إلى نمو الدخل القومي، وهذا يُسمى العائد الديموغرافي الثاني. وخلال العقود القادمة، سيتقدم سكان المملكة في مراحل التحول الديموغرافي الأخيرة، وستصبح معدلات الخصوبة والوفيات منخفضة، ما سيؤدي إلى زيادة في العدد النسبي لكبار السن، ليحدث ما يسمى "شيخوخة السكان". وتجدر الإشارة إلى أن العائد الديموغرافي الثاني يبدأ في نهاية المرحلة الثانية (الوسطى) من مراحل التحول الديموغرافي. ويتحدد مقدار العائد الديموغرافي وتأثيره الاقتصادي بناء على الفرق بين الإنتاج والاستهلاك للسكان في الفئات العمرية المختلفة. ومن المؤسف أن الدول العربية لم تستفد من العائد الديموغرافي، بل أدت النافذة الديموغرافية (demographic window) إلى ما نشاهد من اضطرابات وقلاقل، وذلك نتيجة ارتفاع نسبة الشباب وانخفاض إنتاجيتهم بسبب عدم تمكينهم من التعليم النوعي، أو التوظيف المنتج، وفوق ذلك عدم تسهيل الطرق أمام الشباب من الأزواج والزوجات للمشاركة في قوة العمل بفاعلية.
إنشرها