التخطيط الاقتصادي ونجاح الميزان التجاري

|

يشهد هذا العام تحولات اقتصادية عديدة، فالمملكة أعلنت عن أكبر موازنة في تاريخها، مع ارتفاع نسبة تمويل الإيرادات غير النفطية لتصل إلى ما يقارب 50 في المائة، واليوم أيضا يسجل الميزان التجاري السعودي (السلعي والخدمي) قفزة ضخمة مع نهاية عام 2017، مرتفعا بنسبة 1243 في المائة، ليبلغ 138.5 مليار ريال، مقابل 10.3 مليار ريال في عام 2016. وما يحمد له في هذه القفزة الكبيرة جدا أنها تأتي من مصادر متعددة، فهي في جانب أساسي تأتي من ارتفاع قيمة الصادرات النفطية نظرا لارتفاع أسعار النفط في أواخر عام 2017، كما أن جزءا أساسيا من مصدر هذا الفائض هو تراجع الواردات السلعية بقيمة 140.2 مليار ريال، لتبلغ 471.4 مليار ريال، مقارنة بـ 525.6 مليار ريال في عام 2016، أي أنها انخفضت بنسبة 10.3 في المائة. وهكذا يبدو الميزان التجاري في المملكة ليعكس بصدق وجلاء نجاح السياسات الاقتصادية التي انتهجها خادم الحرمين الشريفين منذ توليه الحكم في فترة صعبة جدا على الاقتصاد السعودي التي انقلب فيها الميزان التجاري بفعل ارتفاع فاتورة الاستيراد مع تراجع الطلب على النفط وتراجع الأسعار بشكل مخيف، ومع تهديد خطير بتآكل الاحتياطي من النقد الأجنبي بسرعة أكبر من قدرة الاقتصاد على التعويض، وبدأ البعض يخشى من شبح الإفلاس إذا لم تتخذ إجراءات تصحيحية عاجلة، ولكن شجاعة جدا.
لقد كان الاقتصاد السعودي على موعد تاريخي مع شخصية الملك سلمان الذي اتخذ أكثر القرارات الاقتصادية أهمية على الرغم من تأثيرها المؤلم نوعا في المواطن، لكن لم يكن هناك بد من تلك الإجراءات الحاسمة والشجاعة، وقد بدأت تلك الحلول بإيقاف الكثير من المشاريع وإعادة جدولتها وفقا لأهميتها الاقتصادية، وإيقاف البدلات والمزايا أملا في تحجيم الاستهلاك، وإعادة الاقتصاد للتوازن مرة أخرى قبل أن تتم إعادة ضخ الأموال في مفاصل الاقتصاد بطريقة تضمن العودة إلى مستوى التوازن المنشود. وعلى الرغم من أن أكثر الاقتصاديين تفاؤلا لم يكن يتصور أن تنجح المملكة في خطتها بهذه السرعة، وأن يستجيب الاقتصاد للإصلاحات، ولكن حل جميع المشاكل لم يكن بلا جهود جبارة بدءا من الوصول بالسوق النفطية إلى مستوى الاستقرار ثم العودة إلى بناء مستويات سعرية أكثر عدالة وملاءمة للاقتصاد السعودي. كان من الصعب التنبؤ بمدى استجابة دول أوبك التزامها بسقف الإنتاج المحدد، فضلا عن استجابة غيرها من الدول المنتجة خارج أوبك، وللحقيقة فإن المراهنة على استقرار السوق النفطية كانت صعبة جدة، لكنها حدثت فعلا ونجحت المملكة في فترة قياسية وبمجهودات دبلوماسية قادها خادم الحرمين الشريفين بنفسه.
مع كل الجهود المضنية لإصلاح السوق النفطية، كان العمل على قدم وساق يجري في سباق مع الزمن لإصلاح السوق المحلية، وإعادة ترتيب أوليات الاستهلاك، وتمثل المؤشرات الاقتصادية التي أعلنتها هيئة الإحصاءات العامة عن الميزان التجاري مؤشرا صادقا عن النجاح الذي تحقق في تغيير سلوك المجتمع الاستهلاكي، وأيضا الجهود الكبيرة في ضبط الإنفاق الحكومي مع رفع المحتوى المحلي، فتراجع الواردات السلعية بنسبة 10 في المائة يؤكد أن تلك السياسات جميعها قد نجحت. وبالنظر إلى الصورة الشاملة اليوم فإن الاقتصاد السعودي يقف شامخا على أرض صلبة جدا، ويمكننا الآن الحديث عن الاستدامة، وعن التنمية والنمو. ومن المؤمل ـــ في ظل هذه المؤشرات ـــ أن تتحسن الصورة الائتمانية للمملكة في التصنيفات العالمية، وأيضا سيكون الأثر كبيرا في النمو الاقتصادي في نهاية العام على الرغم من تأثيرات تجربة القيمة المضافة، فالاقتصاد السعودي أثبت مرونة عالية واستجابة للمخاطر والتغيرات بشكل لافت.

إنشرها