خسائر في اقتصادات الشرق الأوسط .. ما الحلول؟ «1 من 3»

|

تعرضت بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لصراعات أكثر توترا وحدة مما تعرض له أي جزء آخر في العالم على مدى الـ 50 عاما الماضية. وفي المتوسط، شهدت بعض بلدان هذه المنطقة نوعا من أنواع الحروب كل ثلاث سنوات. والآن، نادرا ما يمر يوم دون تقارير إعلامية عن وقوع عنف أو معاناة بشرية واسعة النطاق أو تدمير كبير في بلدان مثل العراق وسورية.
وتنطوي هذه الصراعات على تكاليف بشرية واقتصادية ضخمة للبلدان المعنية مباشرة وللبلدان المجاورة لها. وقد شهدت ليبيا وسورية واليمن تراجعات حادة في اقتصاداتها مصحوبة بزيادات حادة في التضخم بين عامي 2010 و2016. ولا يزال اقتصاد العراق هشا نتيجة الصراع مع «داعش» وانخفاض أسعار النفط منذ عام 2014. وانتقلت الاشتباكات إلى بلدان أخرى، ما تسبب في مشاكل من المتوقع أن تستمر ـــ مثل الضغوط الاقتصادية الناجمة عن استضافة اللاجئين. وقد أدى الصراع العنيف إلى تدهور الأوضاع في منطقة تواجه بالفعل قصورا هيكليا وانخفاض الاستثمار وتراجع أسعار النفط في الفترة الأخيرة، مما كان له أثر كبير في الاقتصادات المنتجة للنفط.
يؤثر الصراع في الاقتصادات من خلال أربع قنوات:
أولا، تؤدي الوفيات والإصابات وحالات النزوح إلى تآكل خطير في رأس المال البشري. وفي حين أنه من الصعب التحقق من الأرقام، فإن التقديرات تشير إلى مقتل نصف مليون من المدنيين والمحاربين في المنطقة منذ عام 2011. وإضافة إلى ذلك، حسب الوضع في نهاية عام 2016، كانت المنطقة تضم ما يقرب من نصف سكان العالم النازحين قسرا: اضطر عشرة ملايين لاجئ و20 مليون نازح داخليا من المنطقة إلى هجر ديارهم. ويوجد في سورية وحدها 12 مليون شخص نازح وهو أكبر عدد من بين بلدان المنطقة.
ويقلل الصراع أيضا رأس المال البشري عن طريق نشر الفقر. وغالبا ما يزداد الفقر في بلدان الصراع مع انخفاض فرص العمل، حتى خارج المناطق المتأثرة مباشرة بالعنف. وتتدهور أيضا جودة التعليم والخدمات الصحية وتزداد عمقا كلما طال أمد الصراع. وتعد سورية مثالا دراماتيكيا. فقد قفزت البطالة من 8.4 في المائة في عام 2010 إلى أكثر من 50 في المائة في عام 2013، ووصلت معدلات ترك الدراسة إلى 52 في المائة، وانخفضت تقديرات العمر المتوقع من 76 عاما قبل الصراع إلى 56 عاما في عام 2014. ومنذ ذلك الحين، ازداد الوضع سوءا.
ثانيا، تعرض رأس المال المادي والبنية التحتية إلى الضرر أو التدمير. فقد تعرضت المنازل والمباني والطرق والجسور والمدارس والمستشفيات ـــ فضلا عن البنية التحتية الخاصة بالمياه والطاقة والصرف الصحي ـــ إلى أضرار بالغة. وفي بعض المناطق، أزيلت نظم حضرية تماما. وإضافة إلى ذلك، تدهورت بشدة البنية التحتية المتعلقة بالقطاعات الاقتصادية الرئيسة مثل النفط والزراعة والصناعات التحويلية، مع ما لذلك من تداعيات على النمو والمالية العامة وعائدات التصدير واحتياطيات النقد الأجنبي. وفي سورية، تعرض أكثر من ربع الرصيد من المنازل إلى التدمير أو الضرر منذ بداية الحرب.
ثالثا، تعرض التنظيم الاقتصادي والمؤسسات للضرر. فقد كان تدهور الحوكمة الاقتصادية حادا للغاية في الوقت الذي كانت فيه جودة المؤسسات ضعيفة بالفعل قبل اندلاع العنف، كما كان الحال في العراق وليبيا وسورية واليمن. وقد أدى هذا الضرر إلى تراجع إمكانية الوصول وارتفاع تكاليف النقل وانقطاعات في سلاسل الإمداد والشبكات. ويمكن أن تصبح المؤسسات عرضة للفساد في محاولة أطراف الصراع السيطرة على النشاط السياسي والاقتصادي. فقد يعاد توجيه إنفاق المالية العامة والائتمان مثلا إلى الدوائر الانتخابية ومؤيدي من هم في السلطة. وبشكل أعم، شهد الكثير من المؤسسات الاقتصادية المؤثرة ـــ البنوك المركزية ووزارات المالية وهيئات الضرائب والمحاكم التجارية ـــ انخفاضا في فعاليتها لأنها فقدت الاتصال بالمناطق الأكثر بعدا من البلد. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة الاضطرابات التي تعرض لها التنظيم الاقتصادي تزيد بأكثر من 20 ضعفا عن التدمير الرأسمالي في السنوات الست الأولى من الصراع السوري World Bank 2017.
وأخيرا، هناك مخاطر تحيط باستقرار المنطقة وتنميتها في الأجل الطويل، وذلك من خلال الآثار الواقعة على الثقة والتماسك الاجتماعي. فقد أدت الصراعات في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تزايد انعدام الأمن وانخفاض الثقة، وهو ما تجلى في انخفاض الاستثمار الأجنبي والمحلي وتدهور أداء القطاع المالي وزيادة الإنفاق على الأمن وتقلص السياحة والتجارة. وضعفت الثقة الاجتماعية أيضا، الأمر الذي أثر سلبا في المعاملات الاقتصادية وصنع القرار السياسي في تلك البلدان.

إنشرها