ثقافة وفنون

الأدب الروسي .. من رحاب العالم إلى شرنقة المحلية

احتفت روسيا شهر تشرين الأول (أكتوبر) المنصرم بمرور الذكرى المئوية لاندلاع الثورة، التي أطلقتها اللجنة المركزية لحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي بعد انتصارها لقرار الانتفاضة المسلحة. هذه الثورة المجيدة عند البلاشفة، ليست كذلك بالنسبة إلى باقي فئات المجتمع الروسي، الذي عانى ويلات أساليب بناء "العالم الجديد" المزعوم.
ارتدّ البلاشفة عن شعارات الحرية والعدالة.. المرفوعة في الزمن القيصري، فبمجرد وصولهم إلى السلطة شرعوا في تضييق الخناق على الحريات؛ عامة كانت أو خاصة، حتى أضحت الرقابة البلشفية أكثر قسوة وترهيبا من الرقابة القيصرية.
وضعية كان لها بالغ الأثر في الأدب الروسي الذي حلَّق عاليا في سماء العالمية، مع أسماء من العيار الثقيل، حجزت لنفسها مكانة في سجِّل الأعمال الإنسانية الخالدة. فكثير من كلاسيكيات هذا الأدب، لا يزال يدرَّس حتى اليوم، ويعتبره النقاد لآلِئ في سماء الآداب. وتكمن قوته في طغيان الطابع الفلسفي على أدب تلك الحقبة، حيث عمد ثلة من هؤلاء الرواد إلى إشراك القارئ في تفكير عميق وشخصي بحثا عن أجوبة للأسئلة الأهم في الحياة.
أعمال لا يجب أن تفوت كل مهتم أو عاشق للآداب، فهي تروي ملاحم تؤرخ لوجدان الإنسانية، وفيها كم من العبقرية الأدبية تزداد قيمته الإبداعية وطراوته الفنية، كلما أثخنت الإنسانية في التفاهة والسطحية.. أو ما يُعرف اختصارا بأدب ما "يطلبه الجمهور".
يحتفظ الأدب الروسي بأسماء ستبقى بمنزلة الآباء المؤسسين له عبر التاريخ، لا يمكن لأي مهتم بالآداب العالمية أن يتجاهل أعمالهم. على رأسهم والد الأدب الروسي الحديث ألكسندر بوشكين الذي تعد أعماله منبعا للأدب الروسي، إلى جانبه فيودور دستيوفسكي الذي قال عنه الفيلسوف فريدرك نيتشه "دستيوفسكي هو الوحيد الذي أفادني في علم النفس، كان اكتشافي له يفوق أهمية اكتشاف ستاندال". والمسرحي نيقولاي غوغول صاحب روائع مسرحية مثل "النفوس الميتة" و"المفتش العام"، إضافة إلى قصة "المعطف" التي قال عنها دستيوفسكي "كلنا خرجنا من معطف غوغول". دون أن ننسى اسم أنطون تشيخوف، واحدا من أعظم كتاب القصص القصيرة على مدى التاريخ. ومكسيم غوركي الأديب والناشط السياسي الماركسي صاحب رائعة "الأم".
انتهت هذه الأمجاد إلى غير رجعة بعد انتصار الثورة، ورسم معالم "المذهب الأدبي للدولة" التي لا ينغي للمبدع أيا كان الخروج عنها، حتى لا يُلقي بنفسه في التهلكة، فالحقيقة أضحت ملكا خاصا وحصريا للثوار وحدهم دون غيرهم. وهكذا وجد الأدباء ممن تجرأوا على التفكير خارج الإطار المرسوم أنفسهم ضحايا الملاحقة والنفي والاعتقال، وصودرت الأعمال وأغلقت النوادي، وطرِد المبدعون "المارقون" من الهيئات والمؤسسات الرسمية أو الموازية لدولة.
وبلغ الأمر حد قطف الرؤوس اليانعة؛ بتعبير الحجاج بن يوسف الثقفي، فكان الموت مصير الشاعر نيقولاي غوميليوف الذي أُعدم بتهمة ملفقة بعد محاكمة صورية، والشاعر بافل فاسيليف، والقاص العبقري أندريه بلاتونوف، والروائي المذهل ميخائيل بلغاكوف صاحب الرواية العبقرية "المعلم ومرغريتا"، وانتهاء بالكاتب الساخر ميخائيل زوشنكا الذي كان يسخر دون توقف من كل المظاهر السلبية، فأجبرته الدولة على الصمت والعزلة، وأوسيب ماندلشتام الذي توفي في منفاه الداخلي مع زوجته.
من مخلفات هذه الثورة أيضا، ظاهرة ما سُمي "الأدب المُستعاد" الذي تولاه الأدباء الروس ممن عاشوا أيام الثورة، وفيه فضحوا خبايا ثورة أكتوبر وما تلاها من مآسي الحقبة السوفياتية في أعمال أدبية كُتبت لها ولأصحابها الحياة خارج الحدود الجغرافية للاتحاد.
نجد من بين رواد هذا النمط الأدبي الكاتب إسحاق بروايته "حكايات أوديسا" ثم رائعة "فرقة الخيالة الحمراء" الذي كان مصيره مجهولا، بعدما اختفى ذات يوم من عام 1941، إلى جانب أندريه بلاتونوف صاحب رواية "الحفرة" التي وصفها ستالين بقوله "هذا كتاب خبيث. فهل يُعقل أن رواد حركتنا التعاونية بهذا القدر من الخسّة والدناءة كما يصورهم؟"، بينما رأى مكسيم غوركي أن "تأملات أندريه بلاتونوف السوداوية لا تصلح للنشر الآن. أقترح تركها للمستقبل". وإيفان بونين في يومياته المنشورة - في باريس عام 1936- عن السنوات الأولى لما بعد الثورة، بعنوان "الأيام الملعونة". وفيها يصف قساوة الحياة وبشاعة تلك الظروف بقوله "كم من الناس يسيرون اليوم في ملابس منزوعة من جثامين الموتى؟". ويصرخ "نحن أيضا بشر"، ويطالب بتطبيق معيار أخلاقي واحد على "نحن" و"هم" مدافعا عن القيم الإنسانية المشتركة.‬
رغم انقضاء أكثر من ربع قرن على انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحول روسيا إلى مجرد دولة قومية عادية، لم يستطع الأدب الروسي استعادة موقعه المتقدم في العالم، حيث تنازل الأدب الروسي المعاصر عن أمجاده ليصير أدبا محليا بكل معنى الكلمة. يبقى المدهش حقا، أن إلغاء الرقابة وإطلاق حرية التعبير والنشر، لم يسعف في ازدهار هذا الأدب، كما كان متوقعا، بل على النقيض، أفضى ذلك إلى شيوع أدب التسلية الجماهيري والاستهلاكي.
لغة الأرقام تُعزز هذا القول، فبحسب بعض الإحصاءات الحديثة لم يتعد ما ترجم من الأدب الروسي إلى اللغة الإنجليزية مثلا 3 في المائة من إجمالي الأعمال الأدبية الأجنبية المترجمة إلى هذه اللغة. وكدليل إضافي، تكفي الإشارة إلى أنه خلال العقدين الأخيرين لم يشهدا دخول أي كتاب روسي إلى قائمة جائزة أفضل كتاب أجنبي مترجم.
واضح أن رعاية الدولة للآداب والفنون شيء محمود ومطلوب، مع الاحتفاظ بمسافة أمان بينهما، فلا إبداع يتوقع أن ينتج في أجواء يسود فيها مقص الرقيب ومقصلة السلطة. وهذا عين الحال في واقعة الاتحاد السوفياتي حيث أدى مذهب "الواقعية الاشتراكية" إلى وأد الروح الإبداعية لدى الروس، بسبب تراكم سنوات القمع والرقابة والتطويق، ما أدى بهذا الأدب إلى مغادرة رحاب العالمية الفسيحة إلى التقوقع في شرنقة المحلية الصرفية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون