الاستدامة .. والشفافية الجذرية

|

من المتوقع أن تكون الاستدامة جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية المؤسسية للشركات خلال السنوات المقبلة، خاصة في ضوء الظروف المعيشية الحالية لما يقارب سبعة مليارات نسمة تعداد سكان العالم حاليا، الذين يعيش أربعة مليارات نسمة منهم على أقل من دولارين في اليوم، إضافة إلى الخطر المتمثل في نقص المياه وغيرها من الموارد الأساسية للحياة، بات مصطلح الشفافية الجذرية أو radical transparency محور النقاش الدائر حول الاستدامة بعد أن ورد للمرة الأولى في كتاب "الذكاء البيئي" من تأليف دان جولدمان، وهو كاتب سابق متخصص في العلوم لدى جريدة "نيويورك تايمز"، ويرمز المصطلح الجديد إلى إزاحة الستار عن سلسلة الإنتاج، أي كشف جميع الحقائق الصحية والبيئية والاجتماعية بدءا من كمية انبعاث غاز الكربون أو ما بات يعرف بالبصمة الكربونية مرورا بالمواد الكيماوية المستعملة في عملية الإنتاج وصولا إلى ظروف معيشة ومعاملة العمال، وذلك بهدف توفير المعطيات الضرورية للمستهلك خلال شرائه المنتج كي يختار ما يراه مناسبا.
تعتبر هذه المبادرة مؤشرا على استعداد الشركة لتوفير جميع المعلومات حول عملياتها ووضعها باستخدام المستثمرين والمستهلكين على حد سواء. يرتبط بناء صورة إيجابية للشركة بعلاقة توازن حساسة مع أدائها، إذ قد يكون ذلك مكلفا، لكن في حال تم البناء بشكل فعال، يمكن الحد من تلك التكاليف، بل يمكن أن يؤدي إلى التعويض عن التكاليف التشغيلية. من جانبه يقول كريستوفر لوينبرجر، رئيس مبادرة الاستدامة في شركة إيجون زيهندر الدولية: "تؤثر قيمة الاستدامة بشكل غير مباشر في الصورة العامة للمؤسسات، إذ يمكن للأفراد الذين يشاركون المؤسسة مبادئها نفسها أن يدفعوا أكثر مقابل منتج محدد يتوافق مع مبادئهم وقيمهم". لكن فوائد الاستدامة لا تقف فقط عند المستهلكين، بل تمتد لتشمل المساهمين والموظفين حتى العاملين في سلسلة التوريد الذين قد يفضلون العمل لدى مؤسسة تشاركهم المبادئ والقيم. ويمكن للتواصل الاجتماعي أن يلعب دورا محوريا في بناء نظرة الجمهور تجاه إسهامات الشركة في مجال الاستدامة، خاصة في ضوء قدرة المستهلكين المتزايدة على التعبير عن آرائهم ونشرها عبر شبكة الإنترنت، فقد أصبحت صورة العلامة التجارية خارج أيدي الشركات ووكالات الدعاية والإعلان في ضوء اختلاف دور وتأثير المستهلكين في الأسواق اليوم، ويمكن أن يسهم ذلك في زيادة انتشار العلامة التجارية وتعزيز مكانتها في الأسواق بشكل كبير. وبالعودة مرة أخرى إلى دور "الشفافية الجذرية" وارتباطها بالاستدامة، يشير لوينبرجر إلى أن هذا المبدأ الجديد بات يدفع الشركات نحو فئة جديدة من الأسواق التي تشهد تفاعلا متبادلا بين الأفراد والمستهلكين. حتى إن ظاهرة التفاعل الاجتماعي تؤثر أيضا في اختيار الرؤساء التنفيذيين وأعضاء مجالس إدارات الشركات، ويضيف لوينبرجر: "بات من الضروري تأسيس علاقة مع الجهات المطلعة على ما يحدث في الأسواق التي تتفهم سلوك الجيل الجديد"، وقد باتت قضية الاستدامة جزءا مكملا لعملية الاختيار هذه، إذ بدأت الشركات بالبحث عن الرؤساء التنفيذيين الذين يتميزون بعقلية مستقلة ولديهم القدرة على ممارسة مهامهم بشكل أخلاقي. لكن ذلك لا يعني تجاهل الأداء المالي للشركة، إذ تجب مقاربة الاستدامة بشكل تجاري، إضافة إلى أهمية إيصال هذه الفكرة إلى المستهلكين والمساهمين على حد سواء، ويضيف لوينبرجر: "يجب أن تكون الاستدامة ذات أهمية واقعية بالنسبة للجهات المرتبطة مع الشركة". أما عندما تتعارض قيم الرؤساء التنفيذيين مع الأهداف التجارية المتمثلة في تحقيق الأرباح، فيجب التوصل إلى حل يحقق كلا الهدفين.

إنشرها