FINANCIAL TIMES

من هم الرابحون والخاسرون في اقتصاد المشاركة الوليد؟

من يتذكر، بل من ينسى، صوت إزالة غلاف ألبوم تسجيل جديد أو رائحة سيارة جديدة، أو التشوق عند فتح الباب الأمامي لمنزل تم شراؤه حديثا؟
في محطات مختلفة من حياتي، كانت هناك لحظات تحمل كل واحدة منها فرح الاقتناء، والشعور بالإنجاز وتحقيق شيء ما.
لا يرى أبنائي المراهقون وأقرانهم الأمور بنفس الطريقة الآن، فهم يفضلون أن يدفعوا المال من أجل الحصول على اشتراكات في كل من مواقع سبوتيفاي ونتفليكس، التي تسمح لهم بتشغيل مقتطفات من كمية ضخمة من ألبومات الفيديو والموسيقى الإلكترونية، بدلا من شراء أقراص الفيديو الرقمية أو التنزيلات الدائمة لمختارات أصغر حجما من الأفلام.
البث الحي عبر الإنترنت أصبح في طليعة اتجاه عام يهدد بإحداث انقلاب في نطاق صناعات أوسع بكثير.
تشجع الشركات المستندة إلى التكنولوجيا المستهلكين على إعادة التفكير في النهج المعتمد لديهم تجاه كل شيء، بدءا من الكتب المدرسية وفساتين المناسبات وصولا إلى النقل والإسكان.
تأتي التغييرات في عدة فئات. تعمل تطبيقات المنصات الإلكترونية على ربط مالكي السلع والخدمات - الدراجات وغرف النوم الإضافية وحتى الطاقة الشمسية - بمجموعة من المستخدمين المحتملين.
الشركات التي كانت تركز تقليديا على بيع بضائعها، بما في ذلك متاجر بيع الملابس بالتجزئة وشركات صناعة السيارات، تستكشف الآن خيارات الاشتراكات والاستئجار.
حين تؤخذ هذه الخدمات مجتمعة، يشير نمو تلك الخدمات إلى أننا ندخل حقبة يفضل خلالها المستهلكون إمكانية الاستفادة من الأصول بدلا من امتلاكها.
قد يساعد قانون الإصلاح الضريبي الأمريكي الجديد في دفع العملية قدما، لأنه يعمل على تقليص أكبر بندين من بنود الإعفاءات الضريبية التي تشجع الأمريكيين على امتلاك بيوتهم – لن يكون مشترو البيوت قادرين على اقتطاع الفائدة المفروضة على أول مبلغ من القرض العقاري، وقيمته 750 ألف دولار على بيوتهم، مع حد أعلى على مبلغ الاقتطاع من ضرائب العقارات، التي تفرضها السلطات المحلية وسلطات الولايات البالغ 10 آلاف دولار.
من دون وجود تلك المنافع، هناك احتمال كبير بأن يقرر الناس الذين يعيشون في مناطق مرتفعة التكاليف وذات ضرائب مرتفعة، أن يستمروا في الاستئجار.
وصول أسعار المنازل البريطانية إلى مستويات غير معقولة لا يستطيع معظم الأشخاص العاديين تحملها، من المحتمل أن يكون له تأثير مماثل في أجزاء من المملكة المتحدة.
هذا التحول له سابقة. لقد تحولت الكثير من الشركات قبل سنوات إلى نموذج يتسم بقلة الأصول - كانت شركات الخدمات المهنية ومحلات السوبرماركت تبيع وتؤجر متاجرها ومكاتبها، وبدأت شركات الطيران استئجار الطائرات بدلا من شرائها، وشركات التكنولوجيا الكبرى مثل أبل تعاقدت مع شركات أخرى، أبرزها فوكسكون، لصناعة أجهزة الآيفون.
بالنسبة لأنجح الشركات، كان اتخاذ القرار بالتركيز على الأصول غير الملموسة، مثل الملكية الفكرية، بمثابة نعمة هائلة. تسمح لهم هذه الخطوة بالنمو بشكل سريع دون الحاجة إلى الاستثمار في بناء المصانع أو توظيف أعداد ضخمة من الموظفين.
إلا أنه بالنسبة للشركات في النهاية الأخرى، يعمل الافتقار إلى الملكية العقارية على تقليص فرص الاقتراض أمامها أو البيع عندما تنفذ لديها الأموال النقدية. عندما انهارت شركة مونارك البريطانية الطيران ذات التذاكر الرخيصة، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تبين أن أهم الأصول الرئيسية فيها هي مواقع الهبوط المخصصة لها في المطارات البريطانية. يقول جوناثان هاسكيل، أستاذ الاقتصاد في كلية إمبريـال، الذي شارك في تأليف كتاب حول الموضوع بعنوان ظهور الاقتصاد غير الملموس: "بمجرد أن تتوجه الشركات نحو تخفيف ملكية الأصول، تستطيع توسيع نطاقها بشكل هائل.
على أنني لا أعتقد أن الناس فكروا حقا بالآثار المترتبة على تخفيف المستهلكين لامتلاكهم للأصول. سيكون المستهلكون قادرين على أن يصبحوا أكثر مرونة، إلا أنه سيتعين عليهم أيضا تغيير نمط حياتهم".
من المرجح أن تكون تلك العواقب عميقة بالنسبة لكل من المستهلكين وشركات التزويد.
في البداية، حين كانت الشركات تزود الخدمات وليس السلع الملموسة، كانت العلاقة بين المستخدمين والأشياء التي يستخدمونها ذات تعقيد هائل.
إذا كانت لدي أسطوانة لأحد المطربين، من الواضح أن زوجي يستطيع الاستماع إليها. حين أربط سماعة أمازون إيكو الموجودة لدينا بحساب اشتراك ابني في منصة سبوتيفاي، فلا علم لدي إن كنتُ في هذه الحالة أخرق آلاف الأحكام والشروط، التي وقع عليها عند إنشاء الحساب، أم لا؟
فضلا عن ذلك، هل هذا العمل يعطي شركة أمازون الحق لإرسال إعلانات إلى ابني استنادا إلى الأغاني التي نستمع إليها؟ يقول الأستاذ هاسكيل: "سوف يتعين على المستهلكين التعامل مع الطبيعة الخلافية للأصول. فهم بحاجة إلى أن يفهموا حقوقهم".
في حالات كثيرة، التحول نحو اقتصاد المشاركة سيؤثر كذلك في طبيعة السلع التي تتم مشاركتها. في الوقت الحاضر، تقضي معظم السيارات الوقت بدون تشغيل.
إذا توقف السائقون عن شراء السيارات واختاروا بدلا من ذلك التوقيع على خدمة لاستئجار السيارات أو استخدام تطبيق أوبر للركوب، سوف تستخدم كل سيارة بصورة أكبر كثيرا عما قبل.
هذا يعني أن شركات صناعة السيارات سوف تواجه الضغط من أجل إنتاج عدد أقل من السيارات ذات نوعية الأفضل، قادرة على تحمُّل الاستخدام المتواصل.
الشبيه البديهي لهذا الأمر هو الغسالات التي تُصنَع للاستخدام في محال الغسيل المتخصصة، في مقابل الغسالات التي تصنع للاستخدام في المنازل، بمعنى أنه يجب أن تكون الغسالات التجارية أسرع وأثقل وأقوى.
زيادة استخدام السلع القوية المعمّرة مثل الغسالات والسيارات والدراجات، من شأنه بطبيعة الحال أن يكون أمرا جيدا للبيئة، ويفترض أيضا أن يكون نافعا للمستهلكين من خلال تقليص التكاليف الإجمالية.
ومن شأن هذا أن يعمل بصورة جوهرية على إعادة تشكيل سوق التوظيف الأرحب.
في اقتصاد المشاركة، الرابحون هي الشركات التي تستطيع من الناحية العملية التوفيق بين الأشخاص من جهة والموارد من جهة أخرى، بدلا من الشركات التي تستطيع ببساطة بيع أكثر السلع التي تنتجها.
في هذه الأثناء، سوف تتحول الوظائف بعيدا عن التصنيع وتذهب نحو التكنولوجيا والخدمات.
لا عجب أن شركتي فورد وجنرال موتورز لصناعة السيارات تستثمران في شركة ليفت، الأمريكية المنافسة لشركة أوبر، وفي الأسبوع الماضي اقتنصت شركة ديملر "شوفور بريفيه" التطبيق الفرنسي لحجز رحلات الركوب. إذا أفلحت هذه الشركات، فلربما لن أتنشق أبدا مرة أخرى رائحة تلك السيارة الجديدة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES