FINANCIAL TIMES

اليابان وكوريا الجنوبية في قلب حمى العملات المشفرة

في مساء الأربعاء الماضي، وفوق متجر لأدوات التزلج بالقرب من الحي المالي في طوكيو، تمتلئ غرفة اجتماعات بسرعة بأشخاص في سبيلهم لأن يصبحوا من متداولي العملة المشفرة.
بعضهم موظفون يرتدون بدلات رسمية خرجوا للتو من مكاتبهم، وأحدهم طالب غير مهندم، وعدد منهم من ربات البيوت من الضواحي.
كل شخص منهم لديه فضول لمعرفة البيتكوين، وهم موجودون هنا في واحدة من عشرات الحلقات الدراسية التعليمية حول البيتكوين التي تُعقَد في جميع أنحاء اليابان كل أسبوع للجماهير المتزايدة الميالة بشدة، والمتشككة والمتحيرة بلا خجل.
في أماكن أخرى في آسيا، هناك طفرات مماثلة تؤسس هيمنة المنطقة على موضوع العملات المشفرة، ما يرفع طموحات المستثمرين الأفراد ويؤدي، كما يقول بعض المحللين، إلى إنتاج آثار قابلة للقياس على أسواق الأصول الرئيسية.
أدت المحاولات الرسمية للحد من الحماس - مثل الحظر الذي فرضته الحكومة الصينية في أيلول (سبتمبر) الماضي، على البورصات المركزية للعملة المشفرة - إلى تصلب المتانة. وبحسب بعض التقارير، فإن الصينيين المتحمسين بدأوا بالتداول بالبيتكوين على شبكات النظير للنظير، أو أخذوا أعمالهم إلى مناطق الأفشور.
يلاحظ آخرون أن التداول في العملة المشفرة الآسيوية تبين أنه قابل للتكيف بشكل ملحوظ، وخاصة أمام مجموعة واسعة من الأسعار المتاحة في جميع أنحاء المنطقة.
وقال أورينان مينان، الرئيس التنفيذي لشركة جيتكوين، وهي بورصة للبيتكوين والإثيريوم مقرها هونج كونج: "الأسعار في اليابان وكوريا الجنوبية أعلى بسبب الطلب المحلي، لذلك يأتي الناس من هذين البلدين إلى هنا للحصول على سعر أفضل".
قال محللون في سيتي إن كوريا الجنوبية معرضة بشكل خاص للحمى: فهي تمثل نحو 12 في المائة من حجم التداول على الصعيد العالمي، ويقولون إن هذا الرقم آخذ في الارتفاع بسرعة.
ومع ذلك فإن هذه النسبة تتضاءل أمام مشاركة اليابان، فاقتصادها أكبر بأربع مرات من اقتصاد كوريا الجنوبية، وأكبر من حيث الاستثمارات المالية.
وقال محللون في بنك سيتي في تعليقهم على تداول البيتكوين في كوريا الجنوبية: "أصبح البيتكوين الآن شائع جدا لدرجة أنه بدأ في استنزاف سيولة المستثمرين الأفراد بعيدا عن أكبر الأسهم".
تحرك سعر سهم شركة سامسونج عكسيا بالنسبة إلى سعر البيتكوين أخيرا، ما رفع الاحتمال بأن المستثمرين الأفراد في كوريا الجنوبية يعملون على إخراج أموالهم من الأسماء المعروفة للجميع ويقومون بضخها في البيتكوين.
إذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الفكرة نفسها تحدث بالتأكيد في اليابان. وتقول إحدى الحاضرات في إحدى الحلقات الدراسية، وهي امرأة في الأربعينات من عمرها، خلال فترة استراحة بين الجلسات: "لدي بعض الأسهم في بعض الشركات التي فقدت المال هذا العام، وكانت أسوأها شركة بريد اليابان. جئت إلى هنا لمعرفة ما إذا كان يجب بيعها والمخاطرة".
ليس من الصعب أن نرى ما أشعل فضول الناس بشأن البيتكوين في اليابان، أو لماذا قرر بعض المراقبين أن الكثير من ارتفاع البيتكوين بنسبة 1400 في المائة في عام 2017، كان مدفوعا من قبل "السيدة واتانابي"، الاختزال المضلل في كثير من الأحيان الذي يشير إلى الشخص (رجل أو امرأة) الذي يتولى الشؤون المالية للأسرة في اليابان، وشهيته للمخاطرة بهدف الحصول على العوائد.
أدت المشاركة الكبيرة للبلاد في سوق البيتكوين العالمية - التي يقدر متوسطها بنحو 40 في المائة من نشاط التداول اليومي في جميع أنحاء العالم في عام 2017 - إلى طفرة تسويقية حيث تتنافس منصات التداول لكي تستولي على أذهان قاعدة مستثمري التجزئة التي تحب تاريخيا المقامرة التي تساير الموضة.
قال مايك كاياموري، مؤسس "كوين" إحدى أكثر منصات التداول ازدحاما في اليابان: "السيدات واتانابي يبحثن دائما عن الفرصة الكبيرة التالية، ومن الواضح أن العملات المشفرة تقع ضمن هذه الفئة".
المستثمرون اليابانيون الأفراد يساعدون على تفسير حصة اليابان البالغة 54 في المائة من السوق العالمية في تداولات الهامش في العملات الأجنبية، بعد سنوات من الحملات النشطة التي تسعى منصات البيتكوين الآن لمطابقتها.
ويؤكد تحليل أجراه دويتشه بانك هذا الشهر أن ارتفاع البيتكوين المليء بالفقاقيع يقوده المراهنون من ذوي الرفع المالي العالي لـ "السيد واتانابي"، نفس الرجال الذين تراوح أعمارهم بين 30 و 40 عاما الذين كانوا في السابق مدمنين على تداول العملات بأموال مقترضة.
إعلانات مواقع تداول البيتكوين المتنافسة تتنافس على مقاطع الإعلانات التلفزيونية في وقت الذروة، وعلى أفضل المواقع في قطارات الركاب وبعض من أكبر اللوحات الإعلانية في طوكيو. بدأت بتفلاير، التي تسيِّر معاملات أكبر حجم من تداولات البيتكوين المقومة بالين، بقيادة شاحنة كبيرة في شوارع العاصمة للتأكد من أن علامتها التجارية - وأغنية جذابة حول الموضوع – سوف يراها الجميع.
هناك بعض الملاحظات التي تنصح بالحذر. قبل يوم واحد من ندوة الأربعاء الماضي، في هذه الحالة التي استضافتها "أكاديمية كريبتو كارانسي كُوين" التي شكلت حديثا، أعلن تارو آسو، وزير المالية الياباني، أن البيتكوين "لم تثبت مصداقيته حتى الآن بما يكفي ليصبح عملة". وفي يوم الخميس الماضي، أشار هاروهيكو كورودا، محافظ بنك اليابان، إلى أنه: "صحيح أن السعر يرتفع بشكل غير طبيعي".
يجادل البعض أن النزعة المحافظة الطبيعية للسلطات اليابانية لعبت دورا مهما في تعزيز شعبية البيتكوين. ففي نيسان (أبريل) من هذا العام، بدأ سريان التشريع الذي يحدد البيتكوين وعملات افتراضية أخرى كشكل من أشكال الدفع التي يتم التعامل معها على أساس أنها أحد الأصول (وليس عملة). وبذلك أصبحت اليابان أول اقتصاد رئيسي يمنح تلك الشرعية لها.
بعد أن شعرت اليابان أيضا بالحرج بسبب انهيار بورصة البيتكوين إم تي جوكس – التي كانت في ذلك الحين أكبر منصة تداول للبيتكوين في العالم – ضمن نطاق ولايتها القضائية، أنشأت اليابان قائمة تضم 11 بورصة مصدقة تقوم وكالة الخدمات المالية بالإشراف عليها. وقال الحاضرون في الحلقة الدراسية إن صورة تم نشرها على نطاق واسع لمديري البورصات الـ 11، مع رئيس قسم سلامة المجتمع في شرطة العاصمة طوكيو، كانت عاملا في جعل الأعمال برمتها تبدو أقرب إلى التيار الرئيسي.
في كوريا الجنوبية، هناك شعور أقوى بأن فقاعة خطيرة تتشكل حول العملات المشفرة. وحذر لي ناك يون رئيس وزراء كوريا الجنوبية في الشهر الماضي من أن الشباب يدخلون في رهانات محفوفة بالمخاطر على الأصول لتحقيق ربح سريع، وأن العملات الرقمية تستخدم لأنشطة غير مشروعة مثل تجارة المخدرات.
وقد حظرت البلاد أخيرا عروض الاكتتاب العام الأولي للعملات، التي تسمح للشركات الناشئة بجمع الأموال عن طريق بيع رموز رقمية، أو قطع نقدية، للمستثمرين.
وأشار محللو سيتي إلى أنه: "إذا لم تهدأ السوق، فمن المرجح أنه سيكون هناك المزيد من القوانين التنظيمية في الطريق".
ومع ذلك، يغلب على ظن المخضرمين في الصناعة المالية أنه في حال اتخذت الجهات المنظمة الكورية خطوة متشددة للحد من المضاربة، فإن هذا يمكن أن يضر بسعر البيتكوين وتكون له آثار في الأسواق الأخرى.
أظهرت كوريا في الماضي أنها على استعداد للقضاء على المضاربات التي لا لزوم لها من قبل مستثمري التجزئة. في عام 2011، طبقت متطلبات هوامش أكثر صرامة على تداول مشتقات الأسهم، وكذلك فرضت قدرا أكبر من قبل بشأن الحد الأدنى لوحدات التداول، للحد من المضاربين الأفراد.
قال أحد المصرفيين: "يستثمر الكوريون الجنوبيون بكثافة في البيتكوين. لذلك، إذا انهار السعر، فإنه يمكن أن يؤثر في سوق الإسكان أو الأسهم في كوريا الجنوبية".
وأضاف أنه حيث إن كثيرا من الأسر الكورية لديها قروض عقارية عالية نسبة إلى قيمة المسكن، وبسبب استثمارها في البيتكوين، فإن أي تراجع في سعر العملة المشفرة سيضغط على خدمة الديون.
البعض الآخر أقل قلقا. قال تيم سوانسون مدير الأبحاث في بوست أوك لابس في الولايات المتحدة وهو مؤسسة استشارية متخصصة في التكنولوجيا المالية إن الانعكاسات المحتملة "من المحتمل أن تكون واهنة بالنسبة للفقاعات الأخرى التي تنفجر" لأنه يوجد "نقص في الرفع المالي وانعدام الروابط العميقة في النظام المالي التقليدي".
في طوكيو، تنتهي الندوة حول البيتكوين، كما أشار أحد المشاركين، بارتفاع سعر بيتكوين بنحو 10 آلاف ين خلال المحاضرة.
ويقول: "من السهل أن أفكر فيما يمكن أن أفعله لو أني اشتريت ذلك باستخدام بعض الرفع المالي، لكنه ليست مثل الين الذي يتحرك بسبب الأخبار. ما زلت لا أعرف لماذا تتحرك أسعار البيتكوين،" بهذا التقلب المتسارع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES