التوازن المالي 2023 .. قفزة الإيرادات المتوقعة

|

سيقفز الإنفاق الحكومي السعودي بشكل متوازن، ولكنه قياسي أيضا ولمدة ست سنوات مقبلة، وهذا مبشر جدا، خاصة إذا ما قارنا ذلك بالزيادة المتوقعة في الإيرادات غير النفطية، فقد أظهرت وثيقة التوازن المالي المحدثة، أن الحكومة السعودية تعتزم إنفاق نحو 1134 مليار ريال خلال عام 2023، وهذا سيكون نتيجة ارتفاع الإنفاق الحكومي بمتوسط 35 مليار ريال كل عام بدءا من 2018، بمتوسط زيادة سنوية في الإنفاق بنحو 3.7 في المائة، بنسبة 22.5 في المائة، مقارنة بإنفاق 926 مليار ريال في عام 2017. وهذه الأرقام الضخمة تعطي مؤشرات ومفاهيم لا حصر لها، فالمهم هو الاستدامة الاقتصادية لهذه البلاد ـــ بإذن الله. فالرسالة الأهم لبرنامج التوازن المالي هي القدرة على استمرار التنمية وتنوعها، وأيضا استمرار التدفق النقدي من الإيرادات التي تغطي مشاريع التنمية. لكن الاستمرار في التنمية ليس كافيا كرسالة بل إن الطموح الذي تتضمنه هذه التنمية هدف بذاته، فالمجتمع قد تعود من حكومة المملكة الاهتمام بتفاصيل التنمية وليس مجرد مؤشراتها، ولهذا تتم قراءة الإنفاق الحكومي وفقا لهذا التصور، فالإنفاق الحكومي المتصاعد من عام إلى عام بنسب تصل إلى 4 في المائة لا يعني نمو مشاريع التنمية فقط، بل نمو في نوعية هذه المشاريع. ومع قراءة مؤشرات النمو السكاني ونمو الناتج المحلي الحالية بل حتى النمو في الاقتصاد العالمي فإننا نتوقع أن وضع المملكة عند نهاية مدة خطة التوازن المالي سيكون أفضل بكل المقاييس وأكثر استقرارا وقدرة على إنتاج ما يحقق أهداف "رؤية 2030"، بكل ما فيها من طموح وغايات كبرى. فخطة التوازن المالي وفقا لهذه المعطيات ليست خطة تقشف كما كان البعض يحاول أن يروج لها أو يشوه مفهومها، فمن الواضح تماما أننا أمام خطة موازنات توسعية، وصناعة موازنة إنفاق قياسية، وهذا ليس ادعاء بقدر ما هو جوهر هذه الخطة وفقا لكل ما أعلنت عنه وزارة المالية، وما ثبت فعليا خلال ميزانية عام 2017 وموازنة عام 2018. لكن معنى التوازن المالي يعني ألا يكون هذا الإنفاق المتصاعد دون خطة واضحة وصريحة لإيجاد الإيرادات الكفيلة بتغطية هذا الإنفاق. لقد كان من السهل على الحكومة أن تعلن عن طموحاتها من المشاريع والنمو في الإنفاق، لكن الالتزام الذي أعلنته المملكة نحو الشفافية والحوكمة الاقتصادية يتطلبان أن توضح بكل جلاء من أين سيتم تحقيق الإيرادات الكافية. ولأن الإنفاق يتضمن تشريعا به، وإعلانا بحجم الإنفاق لست سنوات مقبلة فهو تعهد ضمني بها يصعب التراجع عنه فيما بعد، ما لم نشهد تغيرات اقتصادية عميقة ودراماتيكية، وفي ظل بقاء الأوضاع كما هي مع نسبة تغير محتملة فإن أي خلل في توفير الإيرادات يعني نمو العجز والدين العام ومن ثم قلق اقتصادي دولي. لكن عندما تثبت المملكة جديتها وبكل صرامة في إيجاد إيرادات كافية وخفض العجز حتى بلوغ هدف التوازن فإن مثل هذا القلق يزول حتما. ولقد بدأت المملكة في إقرار كل الإصلاحات الاقتصادية التي تضمنت محاربة الفساد وأيضا رفع نسبة الإيرادات غير النفطية التي تتسم بالاستقرار طوال فترة التنبؤ والتخطيط. من المهم أن الإنفاق الضخم الذي ستشهده المملكة خلال العام المالي المقبل والأعوام التي تليه يجعل من فرضية قدرة الإيرادات النفطية وغير النفطية على تغطيتها أمرا محل تساؤل، ولهذا جاءت تصريحات الحكومة واضحة بشأن الدور المهم الذي ستلعبه الصناديق الاستثمارية ومن أهمها صندوق الاستثمارات العامة في تمويل هذه المصروفات المتوقعة. وهنا نشير إلى تصريحات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في وقت سابق، "إن صندوق الاستثمارات العامة سينفق 83 مليار ريال خلال العام المالي المقبل 2018 داخل المملكة، وسيتم تخصيص 50 مليار ريال من صناديق التنمية المنضوية تحت صندوق التنمية الوطني لتمول مشاريع سكنية وصناعية وتعدينية، كمصدر ثالث للإنفاق بعيدا عن الموازنة. وهكذا فنحن أمام مشروع واضح المعالم في رسم الاقتصاد السعودي لمدة ست سنوات مالية مقبلة، وهذا سيمنحنا فرصا لا محدودة لجذب الاستثمارات وتعزيز الثقة بالاقتصاد. ومع كل الإجراءات الصارمة في الرقابة، والحد من الهدر ، ورفع كفاءة الإنفاق مع محاربة الفساد، فسيكون عام 2023 مناسبة وطنية تستحق الاحتفال في حينها.

إنشرها