ثقافة وفنون

استبداد البيانات .. تفصيل ما نعرف على مقاس ما نفضّل

في عام 2003 حين أراد أورين إتزيوني السفر من سياتل إلى لوس أنجلوس، حجز من أحد مواقع شركات الطيران مبكرًا حتى يحصل على تذكرة أرخص سعرا. وعندما استقل الطائرة سأل أحد الركاب بجانبه عن سعر تذكرته، ومتى اشتراها؟ ووجد أنه دفع مبلغا أقل بكثير مما دفع؛ على الرغم من أنه اشتراها قُبيل وقت قريب! فسأل "إتزيوني" مسافرا ثانيًا، وثالثًا.. وكانوا كلهم قد دفعوا مبالغ أقل مما دفع هو!
شعر إتزيوني بالغضب لأنه كان يظن أنه ربح سعرا أفضل لأنه حجز مبكرا، لكن النتيجة جاءت بعكس ما يرغب. من هنا جاءته فكرة ابتكار طريقة تجعل الناس يدركون ما إذا كانت أسعار التذاكر التي يرونها عبر الإنترنت تعتبر صفقة جيدة أم لا. لأن أسعار التذاكر تختلف بشكل كبير طبقا لعشرات الآلاف من العوامل التي تعلمها فقط شركات الطيران. وكان كل ما يحتاج إليه لتنفيذ هذا الابتكار تحليل جميع مبيعات التذاكر لخط جوي بعينه وفحص الأسعار المدفوعة في عدد أيام محدد قبل يوم الإقلاع؛ فإذا كان متوسط سعر التذكرة سينخفض؛ ينتظر ويشتري التذكرة لاحقا، وإذا كان متوسط سعر التذكرة يرتفع دائما؛ يسدي النظام نصيحة إلى المشتري أن يشتري التذكرة فورًا بالسعر المعروض لأنه سيرتفع. وإذا كان متوسط سعر التذكرة ينخفض؛ ينصح النظام المشتري بأن يتريث ويشتري التذكرة لاحقا. اعتمد ابتكار إتزيوني على كمّ هائل من البيانات حتى يعمل، وبفضل هذه المعلومات أصبح النظام قادرا على التوقع وإسداء النصائح لشراء التذاكر بسعر أرخص. إن هذا الابتكار مثال صغير على شركات البيانات الضخمة التي استشهد بها فيكتورماير‎ في كتاب "البيانات الكبرى". وهذه القصة نموذج مهم يبين لنا التوجه الذي سيسلكه العالم في المستقبل.
مرّت الحضارة البشرية بمراحل من التطور، واقترنت الحضارة البشرية بالتطور الصناعي الذي نقل طرق الإنتاج إلى أساليب جديدة، وقد أبرزت تكنولوجيا الصناعة مجتمعا يختلف عن مجتمع الزراعة، ثم أوجدت تكنولوجيا المعلومات مجتمعا جديدا يختلف عن مجتمع الصناعة. ويتمثل المجتمع الجديد في مجتمع المعلومات الذي تكوّن بسبب الفيض الكثيف من المعلومات والتطبيقات الرقمية التي تؤدي وظائف داعمة لأنشطة المجتمع، وتفسر بعض ظواهره، وتحل كثيرا من مشكلاته، وتساعده في كثير من أعماله، ويقوم مجتمع المعرفة على استغلال المعرفة باعتبارها أهم مورد لتنمية جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة. وتُعدّ البيانات أصولاً ثابتة تقوم عليها الشركات، ومدخلا اقتصاديا حيويا يستخدم لإنشاء شكل جديد من القيمة الاقتصادية. ويمكن أن يُعاد استخدام البيانات بمهارة لتصبح منبعا للابتكار والخدمات الجديدة.
إن مجتمع المعرفة هو المجتمع الذي ينشر المعرفة ويستثمرها من أجل تحسين الحياة ورفع مستوى المعيشة. والاقتصاد الذي يقوم على المعرفة هو ذلك الاقتصاد الذي تعدّ فيه المعرفة هي المحدد الأساسي للإنتاجية والنمو الاقتصادي. والمعرفة تعني القوة والسلطة والسيادة. والسيادة تفضي إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني؛ فامتلاك المعلومات امتلاك لأسباب القوة، إضافة إلى أن صناعة المعرفة قطاع اقتصادي قائم بذاته. وبما أن المعرفة تمنح القوّة لمن يملكها؛ فذلك يمثل دافعا مهما لادخّار هذه المعرفة خاصة عند الأشخاص الذين يشعرون أن مناصبهم مهدّدة. وأفضل طريقة لدعم نقل المعرفة بين الأشخاص هي تطوير ثقافة المشاركة بالمعرفة.
يشير كيت دِڤيلن في كتابه "الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات" إلى أن الوقود الأساسي الذي يقود الاقتصاد في المجتمع هو المعرفة. وتتطلب الحياة في مجتمع المعرفة فهما أساسيا لماهية المعرفة، والتمييز بين البيانات والمعلومات والمعرفة؛ فالبيانات هي ما نحصل عليه من معلومات وأسماء ونتائج دراسات، وتصبح هذه المعلومات معرفةً عندما يتمثلها الفرد في ذاته لدرجة تمكنه من استعمالها بشكل فوري. البيانات والمعلومات موجودة على قواعد البيانات على أجهزة الكومبيوتر وصفحات الإنترنت، والمعلومات تظهر لنا في الفكر الجماعي للمجتمع، في حين تظهر المعرفة في الفكر الفردي للشخص. وتدرك بعض الشركات أن معظم معرفتها؛ بل جلّها كامن في عقول موظفيها؛ ولذلك تبتكر الشركات الكبرى وظيفة "مدير معرفة" تكون مهمته الأساسية مراقبة معالجة المعلومات وتحويلها إلى معرفة. ومعالجة المعلومات لا تتعلق بالتكنولوجيا أو التقنية فقط إنما بالموظفين والممارسات الإدارية وثقافة مكان العمل. وأهمّ ما يمكن أن تسهم به التقنية في مجال المعرفة هو تسهيل التواصل بين الناس.
يعطينا "جوجل" معلومات أكثر دقة وسرعة عن موضوع ما، في ذات الوقت الذي يأخذ منّا وعنّا معلومات مفصلة ودقيقة عن تحركاتنا على فضاء الصفحات المرتبطة به. من خلال ما نبحث عنه وإحصاء معدل تكرار بحث معين تزامنا مع انتشار ظاهرة ما وفقا للزمان والمكان. حين انتشر مرض إنفلونزا H1N1 في عام 2009، أثبت "جوجل" أنه مؤشر أكثر فائدة وسرعة من الإحصائيات الحكومية البطيئة. والطريف في الأمر أن أسلوب "جوجل" لم يتضمن الحصول على مسحات من باطن الفم أو استشارة الأطباء؛ بل اعتمد بشكل كامل على "البيانات الضخمة".
تبني مواقع أمازون ونتفليكس اقتراحات المنتجات التي تقدمها للمستهلكين على أساس عشرات الآلاف من مشاركات المستخدمين في تلك المواقع، وتقوم بتحليل بيانات المستخدمين لمعرفة تفضيلاتهم واهتماماتهم. وقد عبّرت "نتفليكس" أخيرا بقلق ساخر إزاء 53 من العملاء شاهدوا فيلم Christmas Prince الأيام الثمانية عشرة الماضية كل يوم. في تغريدة نشرتها على حسابها. وحين رأى العملاء هذه التغريدة غضبوا من تداول معلوماتهم الخاصة أمام الملأ. وأن "نيتفليكس" انتهكت خصوصيتهم باستخدام البيانات الخاصة بهم بطريقة مزعجة. لم يعد سرّا أن الشركات الرقمية تجمع بيانات ومعلومات عميقة ومفصلة عن عادات وتفضيلات المستهلكين، وتستخدم هذه البيانات لعرض التوصيات والتفضيلات للعملاء. لكن شركة نيتفليكس هنا خاطرت حين حوّلتْ نتائج تلك البيانات إلى التسويق. وسخرت من بعض العملاء للإعلان عن فيلمها الجديد. وذلك التصرف يرسل رسالة ضمنية مفادها أن الشركات الرقمية تعلم عنّا أدق تفاصيل اهتماماتنا وتحركاتنا وتفضيلاتنا، وعاداتنا. وهي بذلك تتحكم في أدق البيانات عنّا، وربما لا تتورع يوما في نشرها علنا لتحقيق لزيادة المبيعات وتحقيق الأرباح.
إننا معرضون إلى "ديكتاتورية البيانات" أكثر مما نعتقد، أي أن البيانات التي تمتلكها هذه المواقع عنّا قد تضرّنا أحيانا أكثر مما تنفعنا. المعلومات الهائلة التي تمتلكها الشركات الكبرى مثل "جوجل"، و"تويتر" و"فيسبوك" قد تستخدم ضدنا، وقد تحرمك هذه الشبكات الاجتماعية من إعادة اكتشاف نفسك، لأنه بمجرد أن تنشر على أحد الشبكات أي شيء عنك أو رأيك في موضوع ما، تصبح هذه البيانات في يد الآخرين وحينها يمكن أن تستخدم بياناتك ضدك. القوانين تحمينا من أن يخترق الغرباء خصوصيتنا على الإنترنت، لكن كل ما تنشره على مواقع التواصل متاح ومستباح للقائمين على "جوجل" و"فيسبوك" و"توتير"، وأي أحد تسمح له إدارة هذه الشركات الكبرى بالبحث عن البيانات.
إن البيانات الهائلة التي تتوفر الآن بين يديّ السادة الرقميين تسيطر علينا في كثير من جوانب حياتنا؛ سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر. أصحاب هذه الشركات لديهم بيانات عن كل ما يوجد على سطح الأرض، ومن ثمّ بإمكانهم تحويل هذه البيانات إلى معلومات بعد دراستها وتحليلها بالنظم المختلفة للتنبؤ بالأحداث المتوقعة، أو استخراج الأفكار الجديدة من تلك البيانات؛ فالبيانات الضخمة ثروة عظيمة من شأنها تغيير طبيعة عالم الأعمال والأسواق والمجتمع الذي يتحوّل اليوم إلى مجتمع المعرفة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون