FINANCIAL TIMES

ضغوط بكين تدفع هونج كونج وتايوان إلى المفترق

النسق الذي يتأسس على مبدأ "بلد واحد ونظامان"، الذي تعهدت الصين بموجبه منح هونج كونج الحكم الذاتي والحريات المدنية، كان من المفترض أن يجتذب تايوان، التي تتمتع بالاستقلال، لتعاود الاتحاد مع الصين يوما ما.
إلا أن المعارك القانونية المتباينة حول حرية التعبير وحماية الرموز الوطنية في هونج كونج وتايوان، تسلط الضوء على الفجوة الآخذة في التزايد بين الإقليمين، حيث تعمل بكين على تصدير قوانينها القاسية إلى هونج كونج، في الوقت الذي تعمل فيه تايوان على التخلص من بقايا إرثها الاستبدادي.
تعمل حكومة هونج كونج المعيَّنة من بكين على وضع قانون محلي لتنفيذ قانون صيني جديد يجرِّم ازدراء النشيد الوطني، ويهدف جزئيا إلى التصدي للاستهزاء المتزايد من النشيد الوطني الصيني المعروف باسم "مسيرة المتطوعين" أثناء مباريات كرة القدم الدولية في هونج كونج.
في الوقت نفسه، تنظر المحكمة الدستورية في تايوان، في طلب نقض طلب مقدم من محكمة أدنى لاستصدار قانون يعاقب على تخريب العلم الوطني، بحجة أن ذلك يعتبر اعتداء على الحق في حرية التعبير.
تأتي هذه القضية بعد أن أصدرت الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في تايوان قانون عدالة انتقاليا هدفه التصدي للمظالم الموروثة من حقبة الحكم الاستبدادي، أثناء فترة ولاية الزعيم السابق تشيانج كاي- تشيك وابنه تشيانج تشينج- كو.
يقول هوانج كو-تشانج، مشرع من حزب "السلطة الجديدة" المعارض في تايوان، إن قانون النشيد الوطني الصيني جزء من عملية إزالة أوسع نطاقا للاستقلال الذاتي وسيادة القانون في هونج كونج، الذي يرسل "تحذيرا واضحا جدا" لشعب تايوان البالغ عددهم 23 مليون نسمة.
ويقول: "هذا بالضبط هو السبب في أن هنالك عددا قليلا جدا من الناس في تايوان على استعداد لقبول ما يسمى (صين واحدة ونظامان) المقترح من قبل حكومة بكين".

تدعي الصين أن تايوان منطقة خاصة بها وهي تكثف من ضغوطها الدبلوماسية والاقتصادية على الجزيرة، منذ أن صوت سكانها لصالح الحزب التقدمي الديمقراطي المؤيد للاستقلال عن الصين، في العام الماضي.
يراقب "مجلس شؤون البر الرئيسي" في تايوان، الذي يتولى مسألة العلاقات مع الصين، هونج كونج وقد سجل 218 حالة انتهاك للسيادة الذاتية والحريات الديمقراطية التي وُعِدت بها المنطقة، عندما أعادتها بريطانيا إلى الصين في عام 1997.
يقول جان- بيير كابستان، أستاذ في السياسة الصينية في جامعة هونج كونج المعمدانية، إن قانون النشيد الوطني يهدف إلى كبح جماح الشعور المناهض للصين والآخذ في التزايد في هونج كونج، كان في حالة تصاعد منذ فشل حركة (احتلوا) في عام 2014 في الضغط على بكين، للسماح بإجراء انتخابات ديمقراطية في المدينة.
ويضيف أنها: "معركة حول الهوية، إلا أنها تدور أيضا حول المدى الذي يستطيع عنده ترتيب "النظامين" الاستمرار في البقاء، بما في ذلك التسامح مع العصاة".
في البر الرئيسي في الصين، سيواجه الذين لا يحترمون النشيد الوطني عقوبة السجن لفترة تصل إلى 3 سنوات. حتى الآن لم تتخذ حكومة هونج كونج قرارا يتعلق بمستوى العقوبات. بعض المنظمات عملت من فترة على تشديد سياساتها المتعلقة بالنشيد الوطني، حيث قررت إحدى كليات هونج كونج أخيرا طرد اثنين من طلبتها من حفل التخرج، بعد رفضهما الوقوف أثناء تأدية النشيد الوطني.
سامبسون وونج، أحد الفنانين المحتجين في هونج كونج، يصف القانون الجديد بأنه إجراء "مثير للسخرية" والذي "يعارض أهم مبادئي". ويضيف: "السخرية من الرموز الوطنية أمر متأصل في طبيعة سكان هونج كونج".
كذلك يضغط الناشطون في تايوان على القيود، لكنهم يلقون آذانا أكثر تعاطفا من قبل حكومتهم والمحاكم.
وو هسين-إن، البالغة من العمر 21 عاما وأحد المدعى عليهم في القضية أمام المحكمة الدستورية، تقول إنها أرادت تخريب العلم الوطني لتتحدى القانون وتعارض الوضع الرسمي في تايوان، التي تعتبر نفسها جمهورية الصين.
وتقول: "كنت أعلم أن تمزيق العلم أمر غير قانوني، لكننا نرى أنه لا ينبغي أن تُعَد جريمة".
في الشهر الماضي، علقت محكمة تايوان العليا جلسة استماع تشمل الآنسة وو وناشطين آخرين من دعاة الاستقلال، الذين يواجهون المحاكمة بعد تمزيق الأعلام أمام الناس في عام 2015، وهي تسعى لاستصدار حكم من المحكمة الدستورية حول مشروعية معاقبة الأشخاص، لتدنيسهم العلم.
في البداية أُدينت جماعة مكونة من خمسة أشخاص وغُرِّمت بموجب القانون الجنائي في تايوان، إلا أن ثلاثة من المحتجين نجحوا في تقديم استئناف ضد ذلك القرار. ومن ثم أُرسِلت القضية إلى المحكمة العليا بعد أن قررت النيابة العامة الطعن في الحكم. أحد أعضاء المجموعة، تشين يي-تينج، قضى في السجن 20 يوما في عام 2016 بسبب حادثة منفصلة لحرق العلم.
حتى الآن لم تتخذ المحكمة الدستورية قرارها بشأن ما إذا كانت تريد النظر في القضية، فيما يتوقع هوانج من حزب السلطة الجديدة بأن يقوم القضاة في النهاية بـ "إعلان أن القانون غير دستوري"، مشيرا إلى القرار الشهير الذي اتخذته المحكمة في أيار (مايو) الماضي، بأن القوانين التي تمنع زواج شخصين من الجنس نفسه انتهاك للحريات المكفولة في الدستور.
ويضيف: في الوقت الذي يدخل فيه المزيد من القضاة الشباب إلى جهازنا القضائي، يكون لديهم تدريب دستوري جيد حصلوا عليه في كليات الحقوق، وهم أكثر تقدمية بكثير من القضاة الأكبر سنا.
إن السياسة المتشددة التي تتبعها الصين في تعاملها مع هونج كونج، تشير إلى أنها "تخلت عن محاولة إقناع تايوان بأن هونج كونج ستكون نموذجا مناسبا"، كما يقول كابستان.
في الوقت الذي يتباعد فيه النظام السياسي في البلدين، يتقارب النشطاء الشباب في كل من هونج كونج وتايوان، بسبب المعارضة المشتركة بينهما إزاء قبضة بكين المتشددة.
يقول كابستان: "أعداد متزايدة من سكان هونج كونج يحبون تايوان ويشعرون بشكل متزايد بالتوافق والتجانس مع المجتمع التايواني. كذلك يأتي الشباب من تايوان إلى هونج كونج ويتفاعلون مع السكان المحليين، بمن فيهم الناشطون".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES