الحوكمة ودورها في دعم استدامة الشركات

|
قبل سنوات كنت في رحلة علمية لحضور مؤتمر عن الحوكمة، وبالمصادفة كان من ضمن الموضوعات المطروحة عرض عن الحوكمة في شركة اتحاد الاتصالات (موبايلي)، وللحقيقة فقد كنت مذهولا بها فعلا في ذلك الحين، فلم تكن هناك لوائح رسمية معلنة ولم يكن أحد مهتما كثيرا بهذا المفهوم فضلا عن الحديث عنه في مؤتمرات وتطبيقه. وتجاوبا مع شعوري بالحماس كتبت حينها مقالا عن الحوكمة في شركة موبايلي، ونشرته "الاقتصادية". لم أكن أتصور وأنا أكتب ذلك المقال في ذلك الوقت أن الأيام ستجعلني أكتب مقالا قاسيا عن التجربة نفسها مع الاعتراف بالإيرادات، تلك المشكلة التي هزت السوق المالية ومعايير المحاسبة المطبقة في المملكة، ولكن الأيام دائما تحمل المفاجآت. فقد حدثت مشكلة "موبايلي" المشهورة، التي تم فيها التلاعب برقم الأرباح من خلال تضخيم الإيرادات، ثم تطورت القضية حتى تم كف يد الرئيس التنفيذي للشركة وبرز دور المراجعة الداخلية في اكتشاف الخلل، ليس هذا المقال للإشادة بدور أي شخص أو إعادة ذكر القضية، بل لفهم الدور الرئيس الذي أنجزته قواعد الحوكمة في الشركة والدعم الذي وجدته المراجعة الداخلية لتحقيق الاستقرار الذي حققته الشركة بعد ذلك. قد لا يهتم كثير من الناس، بل حتى المهنيين والاقتصاديين والإداريين والباحثين بالدور الخطير الذي تقوم به الحوكمة، وهناك من يعد هذا المفهوم مجرد "موضة إدارية عابرة"، ولقد سمعت بهذا كثيرا، لكني على العكس تماما أؤمن بالحوكمة إذا طبقت بشكل دقيق وصادق تجربة كما في تلك الشركة هذه بالذات تقدم دليلا عمليا على أهمية الحوكمة ودورها في الحفاظ على الشركات واستدامتها. فعناصر الحوكمة مبنية على تعزيز الرقابة ومحاربة الغش والاحتيال ومنع السيطرة على القرار من قبل شخص واحد أو عدة أشخاص يسعون إلى إدارة المنظمة وفقا لأهداف شخصية بعيدا عن تحقيق أهداف المنظمة نفسها مع تجاهل حقوق أصحاب المصالح، لكن هذا الحديث "نظري" بحت، والمشكلة أنه عندما نبدأ بوضع قواعد الحوكمة نجد النقاش وقد انغمس في تحديد لجان مثل الترشيحات ولجنة المراجعة، وغيرهما، ثم حديث عن فصل منصب رئيس مجلس الإدارة عن الرئيس التنفيذي وعن تفاصيل مملة حول الأعضاء المستقلين في مجلس الإدارة، ثم التقارير والشفافية، وكلما تعمق الحديث أصبحنا لا نعرف فعلا كيف يمكن لكل هذه القواعد أن تحقق أهداف الحوكمة، كيف للحوكمة أن تحمي أهداف المنظمة، في تجربة "اتحاد اتصالات" نكتشف كيف تفاعلت كل هذه العناصر من أجل تحقيق ذلك. تقتضي قواعد الحوكمة أن يتم إنشاء إدارة للمراجعة الداخلية تتمتع بالاستقلال عن الرئيس التنفيذي، وقد حققت الشركة هذا العنصر، ولم يكن بالإمكان اكتشاف مشكلة الاعتراف بالإيرادات لو لم تكن هذه الإدارة موجودة، لكن مشكلة بحجم ما حدث في الشركة وأن الحل لها هو إعلان تخفيض إيرادات الشركة بملايين الريالات لم يكن يكفي معها مجرد رأي من مراجع داخلي مهما كانت كفاءته، لهذا كان المراجع الداخلي يحتاج إلى استخدام أدوات الحوكمة لإقناع مجلس الإدارة بالمشكلة وتأثيراتها والحل المنشود. تقتضي قواعد الحوكمة الرشيدة أن يكون رئيس مجلس الإدارة شخصا غير المدير التنفيذي والعضو المنتدب، بمعنى أن كل منصب من هذه المناصب بيد شخص مختلف، ذلك أنه لو كان الشخص في منصب رئيس مجلس الإدارة هو نفسه المدير التنفيذي فإن إقناع مجلس الإدارة بالاجتماع وإدراج موضوعات تمس الإدارة التنفيذية أمر مستحيل تقريبا، ولأن حوكمة "موبايلي" قد فصلت المنصبين عن بعضهما فقد كان وصول رئيس المراجعة الداخلية إلى مجلس الإدارة وإدراج الموضوع للمناقشة أمرا سهلا، أضف إلى ذلك أن مدير المراجعة الداخلية كان هو الأمين العام لمجلس الإدارة ولهذا تمكن من الوصول بسهولة أكبر وعرض القضية والدفاع عنها. لم تكن الأمور بهذه السهولة طبعا، لكن أدوات الحوكمة الأخرى جعلت الأمر ممكنا. عندما يكون أكثر من ثلثي مجلس الإدارة من الأعضاء المستقلين أي أعضاء لم تكن لهم علاقة بالإدارة التنفيذية ولمدة لا تقل عن ثلاث سنوات مضت كلما كان تأثير أي طرف عليهم أقل وموضوعيتهم في النقاش واستماع الآراء أفضل، ولهذا فقد مارس الأعضاء المستقلون في "موبايلي" دورهم من خلال الاستماع الحر والمستقل لوجهات نظر كل من الإدارة التنفيذية ورئيس المراجعة الداخلية، فالاستقلال الذهني لهؤلاء الأعضاء منحهم فرصة القراءة السليمة للواقع دون مؤثرات، كما منحهم القدرة على تقييم التأثير ومن ثم ممارسة دورهم في مجلس الإدارة بكل حزم، وهو ما انتهى بطلب تشكيل فريق للتحقيق وكف يد الرئيس التنفيذي. أضف إلى ذلك أن وجود لجنة مستقلة للمراجعة الداخلية ابتداء هو الذي منح المراجعة الداخلية مستوى أفضل من العمل، من حيث عدم وجود قلق من المستقبل بعد عرض مشكلة الإيرادات، فلو كانت مكافآت وتقييمات رئيس المراجعة الداخلية وفريق عمله بيد الرئيس التنفيذي فإنه من المستحيل عمليا عليهم اتخاذ القرار بشأن عرض المشكلات بشجاعة، لكن وجود لجنة المراجعة من أعضاء مستقلين حتى عن مجلس الإدارة نفسه هو الذي منح المراجعة الداخلية الشجاعة الكافية للاستمرار في القضية، فالتقييم لن يكون بأيدي أولئك الذين سيعرض عليهم الموضوع، أو سيتأثرون به. وهكذا فقد كان لتكامل عناصر الحوكمة وفاعليتها في العمل والتعاون المثمر بين كل الأطراف منح الشركة فرصة التغلب على مشكلة ضخمة والعودة بقوة إلى المسار الصحيح، بل على العكس لقد منحت هذه التجربة "موبايلي" كثيرا من الثقة في السوق وقدرتها وشجاعتها على مواجهة المخاطر ومن ثم تجاوزها والاستمرار، فقد شهد العالم قضايا مماثلة وفشلت المراجعة الداخلية في العمل نظرا لفشل قواعد الحوكمة في الدعم أو فشل المراجع الداخلي أو الخارجي في استخدام هذه القواعد وانتهت الشركة إلى إعلان الإفلاس، ومراجعوها بلا عمل تقريبا، وشركة انرون الأمريكية خير دليل، لكن الشركة تقف اليوم كما كانت بالأمس مستقرة، وقد تغلبت على مشكلتها، وهذا بفضل قواعد الحوكمة التي طبقتها بكل احتراف.
إنشرها