FINANCIAL TIMES

تفاوت الثروة يسحب البساط من تحت أقدام الملاذات الضريبية

في الوقت الذي تَصْعد فيه قضية التفاوت في المستويات الاجتماعية على سلم الأجندة السياسية، تسعى مجموعة من الباحثين إلى الإجابة عن بعض الأسئلة الأساسية المتعلقة بظاهرة تعتبر بالنسبة لكثيرين، السمة المميزة لهذا العصر.
التصور الموجود في الأذهان بأن الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرا أدى إلى استثارة دعوات إلى شن حملة للقضاء على الملاذات الضريبية في مناطق الأفشور، في الوقت الذي ساعد فيه الشعور بالسخط، بين الذين يشعرون بأنهم "متخلّفون" بسبب العولمة، على زيادة الدعم لمسألة البريكست ولدونالد ترمب. ومع ذلك غالبا ما تفتقر المناقشات في هذا الموضوع إلى البيانات الثابتة.
أين يكون التفاوت أكثر وضوحا؟ هل يصبح العالم أكثر أم أقل تفاوتا؟ لماذا تختلف تجربة الولايات المتحدة اختلافا بينا عن تجربة أوروبا؟ هل عدنا إلى مستويات تفاوت الثروة التي شوهدت لآخر مرة قبل قرن من الزمان؟
تلك هي القضايا التي ركز عليها كتاب ثوماس بيكيتي في عام 2013 بعنوان "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، إلا أن الحسابات الأصلية التي أجراها الخبير الاقتصادي الفرنسي كانت مدعاة للانتقادات، ما أثار جدلا واسع النطاق حول الواقع الفعلي لعدم المساواة.
لقد أمضى هو وزملاؤه حتى الآن عدة سنوات في تطوير مؤشرات أكثر شمولا تتعلق بالتفاوت العالمي من أجل إثراء النقاش.
النتيجة هي ما يطلقون عليه اسم: "قاعدة بيانات الدخل والثروة العالمية"، التي تم تلخيصها في تقرير صدر يوم الخميس.
ما مدى التفاوت في العالم؟
يختلف التفاوت في الدخل من بلد إلى آخر ويمكن استخدام طرق كثيرة لقياس ذلك.
يركز مؤلفو "تقرير التفاوت العالمي"، الذي يلخص النتائج التي حُصِّلت من قاعدة البيانات الجديدة، على حصة الدخل التي يحصل عليها الأفراد ذوو الدخل الأعلى - أعلى 10 في المائة، أو 1 في المائة أو 0.1 في المائة.
وفقا للتقرير، المنطقة التي تحظى بأعلى نسبة من التفاوت وعدم المساواة في العالم هي الشرق الأوسط، حيث يتلقى أعلى 10 في المائة من الأفراد على ما نسبته 61 في المائة من جميع الدخل. ثم تأتي الهند والبرازيل وجنوب الصحراء الإفريقية وراء الشرق الأوسط بمسافة بعيدة.
أما المنطقة التي تحظى بأعلى نسبة من المساواة فهي أوروبا، حيث يصل الرقم إلى 37 في المائة. والتالية هي الصين في المرتبة الثانية من أعلى نسبة من المساواة، مع حصة الدخل الأعلى البالغة نسبتها 41 في المائة.
هل أصبح العالم أكثر تفاوتا؟
على مدى العقد الماضي، انخفضت نسبة التفاوت في الدخل أو استقرت، بدلا من أن ترتفع، في معظم أنحاء العالم.
يشير التقرير إلى أن التفاوت لا يزال في بعض البلدان أعلى كثيرا من المستويات التي وصل إليها في فترة السبعينيات.
ارتفعت نسبة التفاوت في الدخل بشكل سريع في المملكة المتحدة خلال فترة الثمانينيات، وفي روسيا خلال فترة التسعينيات عقب انهيار النظام الشيوعي.
كما شهدت الولايات المتحدة أيضا ارتفاعا في عدم المساواة خلال فترة الثمانينيات واستمر ذلك الارتفاع منذ ذلك الحين.
ارتفاع التفاوت في أمريكا وثباته في أوروبا؟
كان لدى كل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مستويات متشابهة من التفاوت في عام 1980، حيث حصلت الفئة الأغنى من سكان أوروبا الغربية والبالغة نسبتها 1 في المائة على 10 في المائة من كل الدخل، مقارنة بـ 11 في المائة للفئة المكافئة لها في الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، حصل النصف الأكثر فقرا من السكان على ما نسبته 24 في المائة من كل الدخل في أوروبا الغربية و21 في المائة في الولايات المتحدة.
عبر أوروبا الغربية، لم تتغير حصص الدخل المذكورة إلا بشكل قليل جدا منذ ذلك الحين. في المقابل، في الولايات المتحدة، ارتفعت حصة الدخل التي تحصل عليها الفئة الأعلى البالغة نسبتها 1 في المائة من السكان إلى نحو الضعف، لتصل إلى 20 في المائة، وتناقصت بنحو نصف الحصة التي تحصل عليها الفئة الأدنى، لتصل إلى 13 في المائة.
مؤلفو التقرير، الذين يعملون جميعا إما في كلية باريس للاقتصاد أو في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أرجعوا هذا التباعد إلى الاختلاف في السياسات التعليمية والضريبية.
وفقا للمؤلفين: فإن "مسار التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة يعزى إلى حد كبير إلى مستويات التباين الهائلة في التعليم، جنبا إلى جنب مع نظام ضريبي تحول شيئا فشيئا إلى قدر أقل من التقدمية".
ماذا عن التفاوت في الثروة؟
غالبا ما تركز بيانات التفاوت على عدم المساواة في الدخل لأنه من الأقل صعوبة، على الرغم من أنه ليس من السهل قياس دخل الأفراد، بدلا من قياس ثرواتهم.وفي حين يتحدث كثير من الناس عن عدم المساواة، غالبا ما يفكرون في الاختلافات في الثروة، بقدر ما يولون أهمية للاختلافات في الدخل.
أحد أهداف قاعدة بيانات الدخل والثروة العالمية هي تجميع مقاييس شاملة للتفاوت في الثروات، باستخدام نطاق واسع من مصادر البيانات. كانت حصة الثروة التي تقتنيها الفئة الأكثر غنى من الناس البالغة نسبتهم 1 في المائة آخذة في الارتفاع في كثير من البلدان منذ مطلع التسعينيات.
في الولايات المتحدة، حصلت الفئة الأغنى بنسبة واحد في المائة على 27 في المائة من ثروات أمريكا في عام 1990، إلا أن هذه النسبة ارتفعت إلى 37 في المائة بحلول عام 2014.
تشير البيانات الأطول أجلا إلى أن التفاوت في الثروات لا يزال أقل كثيرا من المستويات التي شهدناها في الجزء الأول من القرن العشرين. في بريطانيا في عام 2013، كان أغنى 1 في المائة يقتنون ثلثي ثروة البلد.
كانت هذه الحصة عند 15 في المائة في عام 1988. المعدلات العالية من ملكية المساكن، واقتران ذلك بالنمو السريع في أسعار المساكن منذ منتصف التسعينيات، وقد ساعدت على تعزيز ثروة الطبقة المتوسطة في بريطانيا، ما أدى إلى كبح الصعود في تباين الثروات منذ أواخر الثمانينيات.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES