سجن العقل "2"

|
ويستمر سجنك لعقلك بسببك أنت، فعقلك في الحقيقة يمثل شخصا آخر داخلك، تحاوره، تعاتبه، تتحكم فيه، تسيطر عليه أحيانا، ويتغلب عليك أحيانا أخرى. إنه صراع من نوع قد لا تكون فكرت فيه مسبقا، ولكنك حتما حاورت ذلك الكائن في داخلك. أحد أسباب سجن العقل هو قصور اللغة، إما لغتك الخاصة وإما اللغة العامة للبلد، وخلوها من المفردات التي قد تعبر عما تشعر به، في رواية جورج أوريل عن المدينة الفاسدة المسماة (1984)، التي كتبها عام 1949م، وتعتبر من أشهر الروايات السياسية في التاريخ وأعظمها أثرا، تحدث أوريل "وهو اسم مستعار للكاتب اشتهر به" في فصل كامل عن أنه كلما قلت الكلمات التي تعبر عن الحرية والديمقراطية انتهى معنى هذا المفهوم من حياة المجتمع. وبالتالي سيتحكم السياسيون في الشعب عن طريق شيء بسيط جدا، وهو عدم وجود مفهوم لغوي يصف معنى حرية الرأي والتعبير، ما فتح الآفاق أمام علماء اللغويات للتعمق ودراسة هذه الملحوظة، فذهبوا إلى شعب الدنمارك والمجر ودول إسكندنافيا. ووجدوا أن لغة هذه الشعوب لا تحتوي على "التسويف"، والتسويف هو تأجيل الفعل. مثل "سوف أسافر غدًا" أو سوف أأكل بعد قليل". هناك في هذه البلاد ليس لديهم مستقبل في لغتهم، بل لديهم حاضر وماض فقط. لذا وجدوا أن 80 في المائة من هؤلاء الناس لا يؤجلون أعمالهم اليومية لليوم التالي، وهذا لأن اللغة لا تحتوي على فكرة التأجيل. من خلال دراسة هذه الظاهرة توصل العلماء إلى أن اللغة هي وسيلة التعبير لدى العقل الإنساني. فأغلب الحيوانات لا تفهم ما يقوله الإنسان لأنهم لا يفهمون لغته. ومن هنا نجد أن سجن العقل قد يكون بسبب أن اللغة غير قادرة على التعبير عما هو بداخل الإنسان، لذلك قد تجد أكثر الناس ألما وحزنا هم أولئك الذين لا يستطيعون التعبير عن ذاتهم بالكلمات، فيحتل المرض أجسادهم دون أن يشعروا أو ينتبهوا لذلك السبب البسيط . تخيل لو ألغينا كلمة "حب" من قاموس العقل. حتما سيبدأ العقل في العجز عن التعبير عن مشاعر الإعجاب بالآخرين، بل سيختل مفهوم الحب لديه، ولن يفهم الفارق بين حب الأبوين وحب الأصدقاء وحب العاطفة. العقل سجين اللغة، وكلما كانت اللغة قادرة على ترجمة أفكار العقل كان هذا الإنسان أذكى، ووصل لما يريده بسهولة. وأخيرا هناك سجن العادات والتقاليد، عندما تتحول العادة إلى إيمان مطلق بها دون أن يعمل فكره ويعرض تلك العادة على عقله، فيرى إن كانت تتماشى مع الدين ومتطلبات العصر أم لا، حينها ينغلق العقل ويسجن! حرية عقلك في تعبيرك عن ذاتك.
إنشرها