موازنة أضخم بمساهمة نفطية أقل

|
أعلنت الموازنة العامة للدولة في موعدها المعتاد، وهذا دليل على مدى الاستقرار الذي يشهده الاقتصاد السعودي، وإمكانية الوصول إلى تنبؤات قابلة للتحقيق خلال العام المالي المقبل. لكن الأهم في موازنة هذا العام أمران معا، فهي الأضخم في تاريخ الاقتصاد السعودي، والأمر الآخر هو ضخامة الإيرادات المتوقعة على الرغم من تراجع أسعار النفط من جانب، وتراجع الإنتاج لتحقيق توازن في السوق النفطية من جانب آخر. وطبقا لحديث ولي العهد فإن برامج الإصلاحات الاقتصادية تحت رؤية "المملكة 2030" بدأت تحقق نتائج ملموسة، حيث سيتم تمويل ما يقارب من 50 في المائة من ميزانية هذا العام من دخل ومصادر غير نفطية، بما في ذلك الإيرادات الجديدة غير النفطية، إضافة إلى متحصلات أدوات الدين، مشيداً بالجهود التي تبذلها جميع الوزارات والهيئات الحكومية لرفع كفاءة الإنفاق، وتوفير الأموال عبر اعتماد أكثر أساليب العمل كفاءة وتطورا في القطاع الحكومي. وقال: "إن هذه التطورات تعتبر دليلا ملموسا على التقدم المنجز في هذا الإطار، كما أنها تؤكد ضرورة مواصلة السير على نهج تحقيق الاستدامة المالية والتنوع الاقتصادي، الذي نسعى من خلاله إلى تقليل اعتمادنا على مصدر رئيس واحد للدخل". كما أن ارتفاع التنبؤات بالإيرادات يعتمد أساسا على ما تم من الإصلاحات الاقتصادية التي سعت إليها المملكة، خاصة برنامج التوازن المالي، فمن الواضح أن خطط تخفيض اعتماد المملكة على الإيرادات النفطية تسير في طريقها الصحيح بل أفضل، فها هي الإيرادات تصل إلى 783 مليارا بزيادة ضخمة تقترب من 50 في المائة عن إيرادات العام الماضي، وإذا كان تمويل الموازنة الحالية بنسبة تصل إلى 50 في المائة من مصادر غير نفطية، فإن المملكة وبهذا الرقم الضخم من الإيرادات ومحتواها تعلن للعالم أجمع تجاوزها أزمة انخفاض أسعار النفط، وأن قدرات الاقتصاد تحسنت بشكل غير مسبوق. ووفقا لبرنامج التوازن المالي الذي قدر الزيادة في الإيردات الناتجة عن الإصلاحات الضريبية والرسوم لعام 2018 بمبلغ 102 مليار متفوقة على عام 2017 بملبغ 60 مليارا، لكن من الواضح أن نتائج برنامج التوازن المالي تقفز فوق التوقعات. من المهم أن نشير إلى قضية العجز في الموازنة، وإذا كانت هذه تعد مشكلة مقلقة لأي اقتصاد، فتمويل العجز قد يكون مقلقا في مرحلة ما من العام المالي، ولكن النتائج التي تحققت في العام المنصرم تجعل المملكة تتربع فوق مكانة ائتمانية مرتفعة، فالإصدارات التي أعلنتها المملكة من السندات الحكومية قد نجحت بشكل غير مسبوق، ومع التحسن الكبير في الإيرادات العامة واستقرارها بنسبة كبيرة، حيث إن 50 في المائة من مصادرها تأتي من مصادر غير نفطية ولأول مرة في تاريخنا الاقتصادي، وهذا يرفع من الثقة بالاقتصاد السعودي، ويعزز من التصنيفات الائتمانية للمملكة. ليس هذا فحسب، ولكن انخفاض العجز عن العام الماضي 25 في المائة، وفي ظل الظروف والمعطيات الحالية، والحرب في اليمن، والتأزم في المنطقة، فإن الوصول إلى هذه الموازنة بهذه التوقعات يعد إنجازا تاريخيا بكل المقاييس. وفي جانب المصروفات، فإن المملكة قد أعلنت اعتمادها مبلغ 978 مليارا هي الأضخم، ولكن في الوقت نفسه تعمل وفق برنامج رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وهذا يتطلب تحقيق معادلة صعبة، ولكن سرها هو تعزيز المصروفات الرأسمالية، والسيطرة على الإنفاق التشغيلي ومراقبته. وكما أشار خادم الحرمين في خطابه، فإن الإنفاق الرأسمالي سيجد دعما كبيرا وسيرتفع 13 في المائة، وهذا إنجاز في حد ذاته، وهي نقطة ضعف في الإنفاق الحكومي تم التعامل معها بحصافة الآن. والأهم أن هناك جزءا كبيرا من الإنفاق الرأسمالي سيتم بمشاركة صندوق الاستثمارات العامة، الذي نجح في تعزيز مكانته في الاقتصاد السعودي، وأصبح قادرا على دعم الإنفاق الآن، كما أن دمج الصناديق التنموية ضمن مجموعة واحدة يشرف عليها صندوق التنمية الوطني سيقدم مشاركة رئيسة في الإنفاق الرأسمالي، وهو في هذا الجانب سيسعى إلى دعم ذلك الإنفاق الذي يحقق الجدوى الاقتصادية للمملكة. هذا الإنفاق الرأسمالي اليوم سيعزز من قدراتنا في المستقبل، وسيسهم في تعزيز قدرات الاقتصاد السعودي، ويدعم الإيرادات العامة بطرق مختلفة. من المهم الإشارة إلى نقاط مهمة من حيث الرقابة على المصروفات، إذ أشار المرسوم الملكي إلى أنه في حال كان هناك صرف بغير مبرر فإنه يرفع فورا إلى رئيس مجلس الوزراء، وهنا يمكن الحديث عن محاربة الهدر في الإنفاق، وأنه التزام واضح في الموازنة والإنفاق فيما خصصت له، فالمملكة كانت تعاني ارتفاع الصرف فوق ما هو مخطط له، على الرغم من أن الصرف تشريع وليس تقديرا، إلا أن التجاوزات كانت تقود إلى رفع الصرف بنسبة وصلت إلى 20 في المائة سابقا، وقد نجحت المملكة في السيطرة على هذه الزيادة عام 2017 فلم تتجاوز 4 في المائة، وهذا دليل على حجم العمل الذي تم لضبط الإنفاق الحكومي ورفع كفاءته.
إنشرها