المشراق

المرأة في التاريخ .. اجتماعية وعالمة ومحاربة وقت المعارك

شهد اللقاء التاريخي العلمي بعنوان (المرأة تاريخ وإنجاز) المقام في رحاب جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن يومي 22 و23 /3 /1438هـ الموافق 10 و11 /12 /2017م، برعاية الدكتورة هدى العميل مديرة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، بدأت فعاليات هذه الملتقى في يوم الأحد الساعة التاسعة صباحا بالجلسة الافتتاحية، وكلمة مديرة الجامعة الدكتورة هدى العميل، وكلمة للدكتورة عميدة كلية الآداب، وثلاث جلسات تنوعت فيها البحوث وأبرزت أدوار المرأة في جميع العصور القديمة والإسلامية والحديثة، وما يميز الجلسة الأولى وجود عدد من الأساتذة الكرام من الرجال الذين قدموا أوراق عمل قيمة، تؤكد دور المرأة، فقد بدأ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذيب أستاذ الآثار في جامعة الملك سعود بعرض ورقة بحث بعنوان "المرأة في الكتابات الثمودية"، وانتقل الحديث من بعده إلى العصر الحديث ورائدات الطيران في مصر للدكتور عبداللطيف الصباغ، حيث عرض نماذج لأوائل السيدات العاملات في مجال الطيران، والدكتور هاني البشير عرض ورقة بحث مميزة بعنوان المرأة البرجندية في ضوء قانون الملك البرجندي جندوبا، والدكتور محمد الحاج قدم دراسته حول المرأة في مملكة قتبان ومكانتها الاجتماعية والدينية دراسة في ضوء نقوش قتبانية جديدة، فقد احتوت هذه الأوراق على أنواع مختلفة عن أدوار المرأة ضمن العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.
بينما النساء المؤرخات والباحثات فقد حظين بنصيب الأسد في بقية الجلسات فتم تقديم عدد جيد من البحوث حول تاريخ المرأة وإنجازاتها وتنوعت الأطروحات في أوراق العمل، كدور المرأة في الحروب بين القبائل قبل الإسلام، حيث أجادت الدكتورة سميرة القحطاني في إبراز هذا الدور حيث لعبت المرأة دورا جيدا وذلك في استنهاض همم الرجال في المعركة وإثارة حماسهم وتشجيعهم على البذل والعطاء والنصر، ودورها كممرضة تداوي الجرحى ودورها أيضا كمحرضة على الثأر والقتال وإشعال فتيل الفتنة بين القبائل، وعلى صعيد آخر قدمت الدكتورة بدرية العوهلي شخصية نسائية مؤثرة في بلاط الحكم في قرطبة وهي صبح البشكجنيه التي يختلف مسماها في عدد من المصادر حيث تطرقت إلى طريقة وصولها لبلاط الحكم وقوة تأثيرها في الوسط السياسي والاجتماعي ودورها الريادي في مساعدتها لمحمد بن أبي عامر، ولم تكن هي الشخصية النسائية الوحيدة التي تم عرضها في هذا المؤتمر بل تم تقديم عدد من النساء الرائدات كل في مجاله كشخصية الآنسة غيرتورد بيل ولقائها الملك عبدالعزيز إذ تحدثت مريم الرشيدي عن دور هذه الشخصية المؤثرة في بناء العلاقات بين الدول خادمة في ذلك سياسية بلادها بريطانيا، وبعد ذلك تقدمت الدكتورة آسيا النقلي بحديثها عن أبرز شخصية تاريخية عرفها التاريخ شجر الدر ودورها السياسي الذي لعبته في عهد المماليك الذي لم يستمر إلا نحو 80 يوما، والدكتورة زينب الجميلي أبقتنا في العصر المملوكي وعرضت شخصية السلطانة رضية الدين سلطانة المماليك في الهند ذات الأصل التركي وأول حاكمة مسلمة في الهند حكمت نحو أربع سنوات، تعلمت الرماية والفروسية وصاحبت والدها في حملاته العسكرية وأشركها في عدد من المهام السياسية.
بينما الدكتورة منى القحطاني استكملت حديثها عن المرأة واختارت شخصية ست الركب بن علي العسقلانية إذ تحدثت عن أثرها العلمي بالرغم من سنها الصغيرة ودور والدها في تنمية روح العلم عندما كان يصحبها معه إلى حلقات العلماء منذ أن كانت طفلة، وأثرها العلمي والتربوي في أخيها الإمام ابن حجر العسقلاني الذي كان يشيد بدورها في كل حين، واختارت تواصيف العنزي إبراز موقف الملكة فكتوريا من أطماع روسيا في المياه الدافئة واختارت حرب القرم كنموذج تعرض فيه الدور الذي لعبته الملكة، وعلى الصعيد نفسه عرضت الدكتورة منى السليمان شخصية نسائية غربية من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وأعادتنا الدكتورة منيرة العقيل إلى زمن الحضارات القديمة وقدمت نموذج نسائي من أصل سوري تزوجت من أسرة سيفروس بعنوان نساء عائلة آل سيفروس السوريات 193 ـــ 235م، حيث ركزت في حديثها على عرض نماذج لسيدات سوريات ارتبطنا بالروم مثل جوليا دومنا حيث اشتهرت بلقب أم المعسكر لمشاركتها في حروب زوجها، والشؤون الإدارية والعلمية.
وفي العصر الحديث تحدثت حنان المطيري عن إنجازات الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ومحافظتها على التاريخ الوطني، فهي رئيسة جمعية الحفاظ على التراث السعودي، ورئيسة الهيئة الاستشارية في المتحف الوطني، ومؤسسة ومشرفة مشروع تدوين سيرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ولها العديد من الأدوار الخيرية والاجتماعية والنسوية.
وقد اختارت بعض الباحثات البحث في أدوار المرأة بحسب انتمائها الجغرافي واستعراض أدوارها على جميع الأصعدة، وكان للمرأة الحجازية نصيب الأسد من هذه البحوث، كما فعلت عفاف الشهري فقد اختارت بحث بعنوان ملامح من جهود المرأة العلمية في مكة المكرمة خلال القرن التاسع الهجري، ومشاعل الثبيتي دور المرأة الاجتماعي في مكة المكرمة في عهد الملك عبدالعزيز، والدكتورة فردوس جمال الدين بعنوان دور المرأة المكية في التعليم في عهد الملك عبدالعزيز، بينما الدكتورة ميسون العنزي اختارت ورقة عمل بعنوان المرأة في الجوف ودورها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وفصلت كثيرا في عرض الأدوار مع ذكر عدة نماذج رائدة.
وتنوعت بقية البحوث وأوراق العمل لدراسة تاريخ المرأة بشكل عام مع ربطه بعصر ما أو عهد كورقة الدكتورة هيله القصير بعنوان نشاط المرأة التجاري في العصر العباسي، والدكتورة هدى عبدالعال بورقة عمل المرأة في المصادر التاريخية والأدبية، والدكتورة هند التركي في ورقة عمل بعنوان المرأة في مصادر الشرق الأدنى القديم، والدكتورة حصة العمر بورقة عمل بعنوان دور المرأة الأندلسية في العمل الخيري في العصر الأموي، واستعرضت الدكتورة وفاء الزامل دور الصحابيات العلمي في المجتمع من خلال كتب الطبقات.
وحقيقة نشكر جامعة الأميرة نورة على هذه الجهود المبذولة في التأريخ لتاريخ المرأة وحفظ إنجازاتها في كل العصور، وهي رائدة في ذلك حيث كان قبل أعوام أول مؤتمر يقام في رحابها يخص الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، وأتمنى أن تكون مثل هذه المؤتمرات عادة سنوية نساهم فيها في حفظ تاريخ المرأة.

مبرة كريمات الملك سعود بن عبدالعزيز
مبرة كريمات الملك سعود تم تأسيسها في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، وكان الهدف من إنشاء المبرة هو تشجيع التعليم والعمل على نهضة الفتاة السعودية لتقوم بدورها في المجتمع مقارنة بشقيقاتها في الدول العربية ولتصبح أما صالحة وتعطي الفرصة في التعليم كما هو متاح لشقيقها الرجل الذي سبقها بفترة ليست بالقصيرة، حيث كانت الحاجة ملحة لنشر تعليم المرأة التي فرضتها حركة التنمية في البلاد ومن جميع النواحي.
بدأت قصة تأسيس المبرة عندما فكرت الأميرة حصة بنت سعود وأختاها موضي ونورة في توسيع نطاق التعليم على جميع الفتيات في مدينة الرياض خاصة اليتيمات منهن، فتم طرح الفكرة على والدهن الملك سعود بعد عودته من السفر سنة 1375هـ/ 1956م، وأشاد بما طرحن وبدأت الأميرات بخطوات التنفيذ فتم استئجار مكان خاص للمبرة، والبحث عن معلمات والتعاقد معهن وفي تلك الفترة لشح وجود المتعلمات فقد استعانوا بأخواتنا العربيات من مصر والأردن للتكفل بعملية التدريس، وتمت الموافقة وتوقيع العقود براتب يقدر بنحو 300 ريال في الشهر، بعد العمل على الترتيبات والتجهيزات وتوفير المكان والمعدات والمعلمات، تم تسجيل أول مجموعة من الطالبات نحو 14 طالبة وتم الافتتاح على شرف والدهن الملك سعود بن عبدالعزيز وبحضور أفراد من الأسرة في يوم الثلاثاء 7-8 - 1376هــ / 9-3 - 1957م، ولضمان استمرارية المدرسة تبرع الملك سعود بمبلغ 50 ألف ريال، وجمعت التبرعات التي وصلت إلى 150 ألف ريال، وأطلق على المدرسة اسم "مبرة كريمات الملك سعود"، وتم تعين الأميرة نورة رئيسة للمبرة، والأميرة موضي نائبة لها، والأميرة حصة أمينة المبرة والمشرفة العامة عليها، حيث أدوارها لم تقتصر على فكرة التأسيس بل جلب معلمات جدد أن دعت الحاجة إلى ذلك بعد زيادة عدد الطالبات الذي أخذ بالتضخم سنة بعد سنة، ما اضطرهم للخروج من المقر القديم إلى مقر جديد.
ومن الطريف أن الأميرة حصة تحملت عددا من الرسائل من بعض الأهالي الرافضين لتعليم الفتيات لدرجة أنهم أوصلوا شكواهم لوالدها وكتبوا اعتراضاتهم وطالبوا بإغلاق المبرة، وما كان من الملك سعود إلا أن يسدد ويقارب بين الأطراف لإيمانه القوي بأهمية الدور الذي قامت به بناته، وبأهمية تعليم المرأة لبناء نفسها وقدراتها لتحمل مسؤولية أسرتها أولا والمجتمع ثانيا ولتشارك جنبا إلى جنب مع الرجال في تنمية البلاد.
بجانب دعم والدهن الملك سعود حظيت الأميرات بدعم وزير المعارف أيضا في ذلك الحين الأمير فهد بن عبدالعزيز وأمدهم بالمناهج التعليمية المناسبة، فساهم ذلك في زيادة عدد الطالبات الذي أخذ يتضاعف سنة بعد سنة لزيادة وعي الأسر بأهمية تعليم الفتيات ودخولهن معترك الحياة.
أبرز ما قدمته هذه المدرسة لطالباتها هي الدراسة المجانية، وتوفير جميع احتياجات الطالبات المدرسية، التكفل بتكاليف الدراسة من الروضة حتى المرحلة الإعدادية، وتوفير وسائل المواصلات لنقل الطالبات، وتخريج الجيل الأول من النساء السعوديات الرائدات الذي يشار إليه بالبنان.
أهمية هذه المدرسة تكمن في إعطاء نموذج للصورة الرائدة لنساء هذا الوطن في اتخاذ خطوتها الجريئة في أهم محور اجتماعي يتعلق بالنساء وحقهن في التعليم في فترة كان فيها التعليم قليل للنساء، مع وجود الضغوطات الاجتماعية والرفض من بعض الأهالي، ومع ذلك حصلت هذه المدرسة على حق الريادة فكبار الشخصيات التي زارت المملكة العربية السعودية في تلك الفترة تزور المدرسة، وكان من أبرز الشخصيات الملكة زين والدة الملك حسين ملك الأردن والأميرة عائشة ابنة الملك محمد الخامس، والصحافية المصرية أمينة السعيد وهي أول صحافية عربية تزور المملكة بدعوة شخصية من الأميرة حصة بنت سعود في سنة 1380هــ / 1960م، إذ إن أمينة السعيد تعد من أبرز النساء المصريات الحقوقيات بدعم من والدها الذي دفعها إلى التعلم وشجعها على التحصيل العلمي غير مبال بعادات المجتمع الرافضة لتعليم المرأة في ذلك الحين في مصر.
استمرت المبرة حتى عام 1964م / 1384هــ حتى تم ضمها تحت إدارة الرئاسة العامة لتعليم البنات وتغير اسمها، ومن أراد الاستزادة عليه الدخول إلى موقع الملك سعود الإلكتروني سيجد الكثير من التفاصيل وكتاب تاريخ الملك سعود الوثيقة والحقيقة للدكتور سلمان بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق