تطورات مالية لعامي 2017 - 2018

|

تسعى دول العالم للتأثير على التطورات الاقتصادية وتوجيهها لتعظيم المنافع العامة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والنمو المستدام، وذلك من خلال السياسات المالية والنقدية. وتتولى المصارف المركزية مسؤوليات إدارة السياسة النقدية، بينما تتحمل الحكومات مسؤوليات إدارة السياسة المالية. ويحد ربط معدلات صرف الريال السعودي بالدولار الأمريكي من قدرة السلطات النقدية على التأثير في النشاط الاقتصادي، ولهذا تكتسب السياسة المالية دورا قويا وبارزا في التأثير على التطورات الاقتصادية في المملكة. كما تقوم السياسة المالية ببعض مسؤوليات السياسة النقدية من خلال صناديق التنمية وبرامج دعم الائتمان المختلفة التي توفر قروضا مدعومة لبعض القطاعات الاقتصادية.

التطورات التاريخية
يعد إصدار الموازنة العامة للدولة أهم حدث مالي خلال العام في المملكة. وتشير التطورات التاريخية للإنفاق والإيرادات العامة للدولة إلى نمو كبير خلال السنوات الماضية. يوضح الجدول المرفق أهم تطورات الميزانية منذ بداية الألفية. حيث ارتفعت إيرادات الدولة بنحو خمسة أضعاف بين عامي 2000م و2012م، وجاءت القفزة الكبيرة بسبب تصاعد أسعار النفط. بعد ذلك تسبب انهيار أسعار النفط في تراجع إجمالي الإيرادات في الأعوام التالية حتى انخفض في عام 2016م دون نصف مستوياته القياسية في عام 2012م. وعاود إجمالي الإيرادات النمو خلال العام الحالي 2017 حتى بلغ نحو 696 مليار ريال. وكان التطور البارز في الإيرادات خلال العامين الماضيين النمو القوي في الإيرادات غير النفطية. أما بالنسبة للمصروفات أو النفقات فقد نمت خلال الألفية الجديدة بأكثر من أربعة أضعاف حيث وصلت إلى أعلى مستوياتها في عام 2014م. وقد أدى الهبوط الكبير في الإيرادات النفطية وظهور العجز المالي إلى ترشيد النفقات وخفضها ولكنها ما زالت عند مستويات مرتفعة مقارنة ببداية الألفية.

التطورات المالية
لعام 2017
أصدرت وزارة المالية بيانها السنوي عن ميزانية العام المالي (1439 / 1440هـ) 2018م. وتضمن البيان أهم التطورات المالية شبه الفعلية للعام المالي 2017م، وخطط وتوقعات الوزارة للعام المالي 2018م. وما زالت النتائج النهائية للعام المالي 2017م غير مكتملة، حيث سيستمر الصرف من بعض بنود الميزانية لفترة من الوقت، كما أن العام المالي لا ينتهي إلا بنهاية شهر كانون الأول (ديسمبر). ولهذا فإن تقديرات الصرف والإيراد الفعلي للعام المالي 2017م شبه مؤكدة ولكنها غير نهائية.
توقع بيان موازنة 2017م وصول إجمالي إيرادات الدولة إلى 692 مليار ريال، تشكل الإيرادات النفطية منها 480 مليار ريال أو ما نسبته 69.4 في المائة بينما تشكل الإيرادات غير النفطية الباقي. وقد تم الوصول إلى الهدف المنشود وتجاوزه بقليل حيث وصل إجمالي الإيرادات إلى 696 مليار ريال على الرغم من أن الإيرادات النفطية كانت أقل من المتوقع بنحو 40 مليار ريال. وقد حققت الإيرادات غير النفطية قفزة قوية حيث وصلت إلى نحو 256 مليار ريال وبزيادة كبيرة عن المتوقع. وحققت الإيرادات النفطية أيضا تحسنا قويا ولكن دون التوقعات، حيث ارتفعت أسعار النفط بعد التطورات التي شهدتها الأسواق العالمية التي أسهمت فيها عوامل متعددة من أبرزها التزام أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" بتخفيضات الإنتاج المتعهد بها، وتراجع الاستثمارات في إنتاج النفط خلال الأعوام السابقة الذي نتج عنه تباطؤ نمو الإنتاج خارج دول "أوبك" إلى نحو 800 ألف برميل في عام 2017م. في المقابل نما الطلب العالمي على النفط بنحو 1.5 مليون برميل بسبب نمو الاقتصاد العالمي. وقد نتج عن نمو الطلب العالمي وتراجع إنتاج "أوبك" من النفط وانخفاض نمو الإنتاج خارج المنظمة تحسن كبير في أسعار النفط الخام ومنتجاته. وقد بلغ متوسط سعر النفط العربي الخفيف لأحد عشر شهرا الأولى من عام 2017م نحو 51.75 دولارا للبرميل، وهو ما يشكل نموا بنحو 30 في المائة عن نفس الفترة العام الماضي. وأدى التحسن القوي في أسعار النفط العالمية إلى نمو إيرادات المملكة النفطية في عام 2017م على الرغم من تراجع إنتاج النفط السنوي بنحو 5 في المائة.
من جهةٍ أخرى توقعت موازنة العام المالي 2017م وصول إجمالي الإنفاق الحكومي خلال عام 2017م إلى 870 مليار ريال، وقد تضمنت الميزانية مخصصات مبادرات 2020م خلال العام البالغة 42 مليار ريال إضافة إلى نفقات المشاريع من ميزانية الأعوام السابقة، كما ذكر البيان بأن هذه المصروفات لا تشمل مبلغ 22 مليار ريال سيتم صرفها من الحسابات المخصصة للصرف على مشاريع البرامج الإضافية التي تشمل الإسكان والنقل العام. أما على أرض الواقع فمن شبه المؤكد أن يصل إجمالي الإنفاق الحكومي خلال عام 2017م إلى 926 مليار ريال وبزيادة تصل إلى 4 في المائة عن إجمالي الإنفاق المتوقع. ونما الإنفاق الحكومي في عام 2017م بنحو 12.2 في المائة من مستواه في عام 2016م والبالغ 825 مليار ريال.
من جهةٍ أخرى، لو تم تضمين الإنفاق على البرامج الإضافية في إجمالي الإنفاق خلال 2016م والبالغ 105 مليارات ريال لكان الإنفاق الحكومي في عام 2017م قريبا من نظيره في عام 2016م.
يتأثر الإنفاق الفعلي للميزانية بتطورات الإيرادات النفطية التي تحددها إلى درجة كبيرة تقلبات أسعار النفط الخام، كما أنه بدأ يتأثر بالإيرادات غير النفطية التي تصاعدت قيمها ومساهمتها في إجمالي الإيرادات. وتميل الدولة في السابق لإنفاق أكثر ما هو مخطط في الميزانيات عندما تتحسن أسعار النفط، ولكنها تتحفظ كثيرا في إنفاقها عندما تتراجع أسعار النفط. ولحسن الحظ شهد عام 2017م نموا قويا في أسعار النفط. وأدت زيادة الإيرادات غير النفطية وتحسن أسعار النفط إلى زيادة ملحوظة في إيرادات الدولة الفعلية خلال عام 2017م، حيث زادت إيرادات الدولة النفطية بنحو الثلث مقارنة بالعام السابق. وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الإيرادات النفطية وغير النفطية فإن الدولة كانت أكثر التزاما من السابق في إنفاقها المالي. وقد مكن النمو الكبير في الإيرادات النفطية - وخصوصا في الأشهر الأخيرة– الدولة تجنب مزيد من الاقتراض الخارجي واعتمدت في تغطية العجز على الموارد المحلية بشكل أكبر خلال العام.
بنيت تقديرات إيرادات الموازنة للعام المالي 2017م على متوسط أسعار نفط في حدود 55 دولارا للبرميل. ولم تحقق أسعار النفط السعر المستهدف بسبب تراجع الأسعار في بداية العام ولكنها تحسنت في النصف الثاني من العام.
ومن المتوقع أن يصل متوسط أسعار خام النفط العربي الخفيف في عام 2017م إلى نحو 52.5 دولار للبرميل. وهذا يزيد بنحو 12 دولارا للبرميل عن متوسط أسعار 2016م. وقد أدت الزيادة في أسعار النفط إلى زيادة الإيرادات النفطية ولكن بأقل من التوقعات، وأسهم انخفاض متوسط إنتاج النفط السعودي وتراجع الصادرات النفطية في خفض تأثير تحسن الأسعار.
قاد الانخفاض الكبير في الإيرادات النفطية خلال الأعوام القليلة الماضية إلى رفع أهمية الإصلاحات والانضباط المالي والالتزام بحدود الإنفاق الواردة في الموازنة. وتشير بيانات النصف الأول من عام 2017م إلى بقاء النفقات تحت مستوى 43 في المائة من إجمالي الإنفاق على الرغم من التحسن الكبير في الإيرادات النفطية. وقد أدت هذه التطورات إلى بقاء العجز المالي خلال النصف الأول بحدود 40 في المائة من إجمالي العجز المستهدف خلال العام.
وقاد التحسن في الإيرادات خلال الربع الأخير من العام إلى زيادة النفقات ولكنها لم ترتفع خلال العام إلا بشكل طفيف مما يدل على التقيد بمستويات الصرف في الميزانية.
في مسعى لتنويع الإيرادات تمت زيادة الإيرادات غير النفطية في عام 2017م، وقد بدأ حجمها النسبي يرتفع في إجمالي الإيرادات أو حجم العجز المالي. وقد تم تطبيق الضريبة الانتقائية على بعض السلع، كما عدلت بعض الرسوم المفروضة ما رفع حصيلة الضرائب وعوائد الخدمات. اعتمدت الدولة على السحب من احتياطاتها المالية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي لتغطية معظم العجز المالي، ولكنها اقترضت من السوق المحلية 53.6 مليار ريال أو نحو ربع العجز المالي. وآثرت السياسة المالية استخدام مزيج من الاقتراض المحلي والخارجي (نحو 80 مليار ريال) لخفض سرعة استنزاف احتياطات الدولة المالية، ولتجنب منافسة القطاع الخاص في سوق الائتمان.

سياسات وتوقعات الميزانية لعام 2018م
قُدرت إيرادات الدولة العامة للعام المالي 2018م بنحو 783 مليار ريال بمعدل نمو قدره 12.6 في المائة عن العام الحالي، ولم توضح أي تفاصيل عن تقديرات الإيرادات النفطية وغير والنفطية.
ومن المتوقع ألا تقل الإيرادات النفطية عن المحصل فعليا في عام 2017م بسبب ارتفاع إمكانية بقاء مستويات أسعار النفط عند مستويات تفوق 55 دولارا للبرميل، كما أن رفع أسعار منتجات الطاقة المحلية سيزيد من الإيرادات النفطية.
من جهةٍ أخرى تطرق بيان الموازنة إلى حزمة من الإصلاحات المالية والهيكلية التي تتضمن زيادة خصخصة الاقتصاد، وخفض الدعم الحكومي وأهمه الدعم المقدم لمنتجات الطاقة، ومراجعة الرسوم الحالية وبدأ تطبيق ضريبة القيمة المضافة. وستقود هذه التغييرات إلى رفع الإيرادات غير النفطية في 2018م. وعموما من المتوقع نمو الإيرادات الأخرى بشكل واضح خلال العام، ما قد يرفع حجمها في 2018م - في تقديري- إلى ما لا يقل عن 300 مليار ريال. وفي حالة بلوغ الإيرادات الأخرى هذا المستوى، فإن تقديرات الإيرادات في بيان الموازنة تشير إلى نمو واضح في إجمالي الإيرادات إلى نحو 783 مليار ريال. وهذه التقديرات تفترض بقاء أسعار النفط عند مستويات قريبة من المستويات الحالية. وهو افتراض واقعي في ظل الأسعار الحالية، وتشير الأسعار المستقبلية في أسواق النفط العالمية إلى بقاء أسعار خام برنت خلال عام 2018م فوق 60 دولارا للبرميل.
تذكر تقديرات الموازنة أن مصروفات العام المالي 2018م ستكون بحدود 978 مليار ريال ما يمثل نموا بنسبة 5.6 في المائة فوق مستوى الإنفاق الفعلي في عام 2017م. وستشمل النفقات مخصصات حساب المواطن الذي سيكون بحدود 32 مليار ريال. وبناء على ذلك تكتسب زيادة الإنفاق الحكومي أهمية بالغة في تحفيز الاقتصاد في ظل التراجع الحقيقي المتوقع في إنفاق الأسر نتيجة لرفع أسعار الطاقة وضريبة القيمة المضافة. صحيح أن التحويلات للأسر من خلال حساب المواطن ستعوض بعض التراجع في دخول الأسر، ولكنه سيكون أقل من التراجع الكلي لهذه الدخول. إن نمو الإنفاق الكلي ضروري لتحفيز النمو الاقتصادي، فالإنفاق الحكومي والخاص هما القاطرتان اللتان تجران عربات الاقتصاد الوطني، وأي خفض كبير في مستويات الإنفاق سيقود إلى تراجع في النمو الاقتصادي.
ورد في بيان الميزانية تقديرات عن العجز المالي للعام 2018م ولكن لم توضح خطط تمويل هذا العجز. ومن المقرر أن يبلغ العجز المالي 195 مليار ريال في عام 2018م. وهذا يمثل خفض الحجم العجز عن مستواه في عام 2017م، وعن نسبته إلى الناتج المحلي حسب بيان الموازنة ما يعزز الملاءة المالية للدولة. ومن المتوقع أن يتم تمويل العجز وفق خطة تراعي أفضل خيارات التمويل المتاحة بما في ذلك الاقتراض المحلي والخارجي.
من التطورات الإيجابية في ميزانية هذا العام إعدادها وفق أسلوب جديد متوسط المدى بدلا من أسلوب الميزانية السنوي المتبع في الماضي. ويركز هذا الأسلوب على إعداد برامج إنفاق ومؤشرات لقياس فاعلية الإنفاق، كما يوفر ميزانية لعدة سنوات مما يسمح للجهات المعنية بالصرف والإبقاء على المبالغ الفائضة في نهاية العام وعدم التسرع في إنفاقها كما كان متبعا في السابق. كما يعتمد أسلوب إعداد الميزانية الجديد الرقابة بعد صرف المبالغ بدلا من الرقابة قبل صرف المبالغ كما كان متبعا في الأسلوب القديم. ويوفر الأسلوب الجديد شفافية وتفاصيل أكبر عن الصرف والإيراد كما ينسجم مع أساليب إعداد الحسابات القومية مما ييسر من إعداد هذه البيانات.

إنشرها