موازنة تتوافق مع سعة الاقتصاد

|

عكس بيان ومؤتمر الإعلان عن ميزانية العام 2018 مدى التطور في جهود إعداد الميزانية لتصبح على مستوى عال من الدقة والكفاءة، بما يتناسب مع مرحلة التحول الكبير التي يمر بها الاقتصاد السعودي. فكمية المعلومات التي استندت إليها الميزانية هذا العام، إضافة إلى كمية المعلومات التي تم توفيرها عبر البيان، وتفاعل الوزراء المعنيين مع الإعلام، لم تكن معهودة قبل الآن، فضلا عن اتباع الميزانية لسياسات عامة وخطوط عريضة تحكمها وتضبط إنفاقها، لتحوله إلى إنفاق مستهدف، بحيث يمكن الجهات المعنية من وضع الريال الصحيح في مكانه الصحيح. الريال الصحيح أولا تم توليده باتباع أسلوب أكثر ارتباطا بالاقتصاد لمعرفة مدى حاجة الجهة أو الوزارة إلى هذا الريال، فتم لأول مرة اتباع أسلوب تنازلي في رصد بنود الميزانية بدلا عن تصعيد وتجميع النفقات من مختلف الجهات الحكومية، بحيث تحدد اتجاهات الاقتصاد العامة مستويات الإنفاق والإيراد وحجم النمو ومؤشرات الاقتصاد الكلي الحيوية، ومن ثم وبعد تحديد ميزانية كل جهة، فإن الجهة المعنية تعمل على تحديد أولوياتها للإنفاق والاستثمار من واقع معرفتها وارتباطها بالشارع، وكذلك مسؤوليتها لاحقا عن الخدمات التي ستقدمها بما يدفع لاحقا إلى محاسبة أكثر دقة، إضافة إلى ذلك، فإن وزارة المالية تعمل على اعتماد مبادئ محاسبة الاستحقاق عوضا عن الأساس النقدي، بما يتيح معرفة أدق بحجم الأصول والتدفقات النقدية والالتزامات المستقبلية.
التطور في وضع الميزانية شمل أيضا وضع مؤشرات استرشادية إضافية وخطوط حمراء ترسم على إثرها سيناريوهات برنامج التوازن المالي. هذه المعايير شملت الاستهلاك المحلي إلى جانب النمو الحقيقي والاسمي في الناتج المحلي مع مستوى التضخم ونمو استثمارات القطاع الخاص، فهذه المعايير الإضافية باتت تعمل كموجهات إرشادية لحجم ونوع ومستوى تنوع الميزانية إنفاقا وإيرادا. فالتباطؤ في الاستهلاك الخاص الحقيقي سيعكس وقوع الاقتصاد في دوامة انكماشية، يحجم فيها المواطن عن الاستهلاك بما يضر بقية أطراف الاقتصاد، ومعدل نمو الاستثمار الخاص يعكس مدى فعالية واستجابة القطاع الخاص وآفاق نموه مستقبلا ومدى الحاجة إلى مزيد من الإنفاق الحكومي الرأسمالي. أما الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها مثل الاحتفاظ بمبلغ أكبر من 250 مليار ريال في الاحتياطيات وهي ضرورية للدفاع عن سعر صرف الريال، إضافة إلى مؤشر نسبة العجز إلى الناتج المحلي، والدين العام إلى الناتج المحلي، اللذين لن يتجاوزا نسبة 10 في المائة و30 في المائة تباعا للحفاظ على التصنيف الائتماني للاقتصاد السعودي. كل هذه المعلومات مع مزيد من البيانات المتوافرة من برامج "الرؤية" التي تم إطلاقها والتي يتم العمل عليها وضحت أن سعة الاقتصاد السعودي يمكنها استيعاب مزيد من الإنفاق الحكومي، فتم ذلك بإطلاق أكبر ميزانية سعودية حتى تاريخه، لكن الأهم من ذلك هو مزاوجة الحاجة والسعة التي تمت بشكل علمي، فهي ليست الميزانية الأكبر لمجرد تحقيقها هذا اللقب، بل لأن الحاجة موجودة لكل هذا الإنفاق دون هدر أو فساد.
اللافت في أداء الموازنة العامة لعام 2017 كان استمرار نهج الانضباط المالي في الإنفاق. فإجمالي حجم الإنفاق المتوقع يزيد على المقدر له بنسبة 4 في المائة فقط، أو مبلغ 36 مليار ريال. 28 مليار ريال من الصرف الإضافي ذهب إلى بند تعويضات العاملين، ما يعكس جزءا من استجابة الحكومة لواقع الاقتصاد بما يتناسب مع المصلحة العامة. فمع خطط الحكومة لرفع الدعم وإعادة توجيهه إلى مستحقيه بما يزيد من كفاءة الإنفاق، فهي أيضا لا تريد أن يتحمل المواطن كامل تكلفة هذه الإصلاحات الاقتصادية. وكذلك كان انكماش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بأقل من 1 في المائة. فالمؤثر الأساسي على هذا المؤشر المحوري والمهم هو إنتاج المملكة من النفط وليس سعر النفط، الذي عملت الحكومة على كبحه لمصلحة الاقتصاد. فنحن بذلك نحافظ على هذا المورد المهم، ولا نبيعه إلا بسعر يستحقه.
على مستوى العام المقبل، فإننا نجد أن أهم الأرقام هو إجمالي ما سيتم إنفاقه، خصوصا الإنفاق الرأسمالي. فتقديرات النفقات التشغيلية تشير إلى الحفاظ على نفس مستويات العام الجاري بزيادة طفيفة تصل إلى 3.6 في المائة فقط، أو مبلغ 27 مليار ريال، معظمها يذهب إلى بند المنافع الاجتماعية الذي يعمل على تخفيف وطأة الإصلاحات الاقتصادية على المواطن. وهذه إشارة إلى أن الإنفاق الكفء مكن الحكومة من السيطرة على النفقات المنخفضة العائد بشكل عام. وذلك يعني أن الزيادة في الإنفاق في أساسها تعود إلى الإنفاق الرأسمالي الذي سيرتفع بنسبة 14 في المائة، لكن في حين تم ضم إجمالي الإنفاق القادم من صندوقي التنمية والاستثمارات العامة فإن هذه النسبة ترتفع إلى 78 في المائة، أو مبلغ 141 مليار ريال. هذه الزيادة في حد ذاتها أعلى من إجمالي الإنفاق الرأسمالي في عام 2016. هذا الإنفاق سيكون عنوان المرحلة المقبلة، خصوصا القادم من خارج الميزانية، لأنه سيكون المحرك الحقيقي لتنويع الاقتصاد على المدى الطويل. صحيح أن الحكومة تستهدف تمكين القطاع الخاص الذي تريد منه أن يتحمل زمام مبادرة نمو الاقتصاد، إلا أن القطاع الخاص بوضعه الحالي ونموذج أعماله ليس قادرا على ذلك. ولذلك ارتأت الحكومة أن تأخذ زمام المبادرة حتى عام 2030 بفتح مجالات اقتصادية جديدة تقودها الصناديق التي ستعتمد نهجا تمويليا ذاتيا، أو عن طريق برامج "الرؤية"، لا يتم تحميل الميزانية أي أعباء إضافية. كما ستستهدف برامج هذا الإنفاق خارج الميزانية مشاريع حيوية تصل إلى المواطن بسرعة، فنحو نصف ما سينفقه صندوق الاستثمارات العامة سيذهب إلى مشاريع عقارية توفر السكن للمواطن. وحتى يتمكن القطاع الخاص من تحمل مسؤوليته مستقبلا، والتكيف مع متطلبات التغيير الاقتصادي الذي تقوده الحكومة، فإن الحكومة ستعمل على دعمه بحزم تحفيزية تعمل على تنشيطه وتكثيف فعاليته.
كل هذا الكم من التغيير والتفاؤل والمستقبل الذي حملته ميزانية العام 2018 كان مدفوعا بانطلاق ثلاثة برامج فقط من برامج "الرؤية"، ونحن على موعد لانطلاق تسعة برامج أخرى لم يتم أخذ انعكاساتها على الاقتصاد في الحسبان. يمكن القول إن ميزانية عام 2016 كانت اختبارا لسرعة رد الفعل نجحنا فيه، وميزانية عام 2017 أكدت قدرتنا على الضبط المالي، وأن ميزانية العام 2018 ستكون الانطلاقة الاستثمارية الحقيقية رغم تحديات، وسننجح في تحقيق أهدافها، بإذن الله.

إنشرها