FINANCIAL TIMES

اتحاد مصرفي كامل مقابل اتحاد أعمق في المالية العامة

تبلورت اثنتان من الرؤى المتنافسة لدى منطقة اليورو. الأولى تستهدف تعميق الاتحاد الاقتصادي والنقدي من خلال وضع السياسة المالية العامة في يد سلطة مركزية من أجل إنشاء اتحاد مالية عامة بتدفقات ميزانية مستقرة بين البلدان. والثانية تعمل على إيقاف أو حتى عكس وضع السياسة المالية العامة في يد سلطة مركزية، بحيث تعيد الاستقلال لحكومات البلدان، لكنها توجد تقاسما في المخاطر وتعديلا عبر النظام المصرفي عن طريق "اتحاد مصرفي" مقترن بآليات منظمة تهدف إلى إعادة هيكلة الديون السيادية.
اقترح داني رودريك حجتين ضد رؤية الاتحاد المصرفي. تقترح أحدهما أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي "خلافا للولايات الأمريكية" لا تستطيع التنازل عن السيادة ذات الصلة على التمويل المصرفي والخاص. وقد شرحت من قبل السبب في أن هذا المقترح خاطئ. أما الحجة الثانية فهي أن تجميع السيادة في مركز واحد لا يحقق المهام الاقتصادية التي تبشر بها رؤية الاتحاد المصرفي. اليوم، أتناول هذا الادعاء الأكثر أهمية.
يكتب رودريك: "التظاهر بأنه يمكننا فصل تمويل القطاع العام عن تمويل القطاع الخاص ربما يتسبب في تفاقم، بدلا من تهدئة، دورات الطفرة والانهيار المالية. في المجتمعات المعاصرة، أصبح التمويل مسيسا بشكل لا رجعة فيه ــ لأسباب جيدة وسيئة على حد سواء".
هو محق تماما فيما يتعلق بالأهمية السياسية للتمويل. لكن هذا بالتحديد هو الدافع وراء إنشاء اتحاد مصرفي، الذي يوصف بشكل صحيح أنه محاولة ليس لفصل التمويل العام عن التمويل الخاص، بل لفصل التمويل العام في البلدان عن التمويل الخاص من خلال التحكم به سياسيا من خلال قواعد ومؤسسات عامة مشتركة "في منطقة اليورو أو في عموم أوروبا".
ستكون التساؤلات كما يلي: أولا حول ما إذا كان يمكن تنفيذ ذلك بطريقة تعمل على تحسين الأداء الاقتصادي في منطقة اليورو، وثانيا، حول ما إذا كان الشكل الحالي للاتحاد المصرفي يقوم بذلك بأفضل ما يستطيع، وثالثا، حول ما إذا كانت السياسة منسجمة بما يكفل تحقيق ذلك.
في البداية، دعونا نكون واضحين بشأن المقياس الذي نحكم به على الاتحاد المصرفي. يكتب رودريك: "طالما بقيت السياسة الاقتصادية من اختصاص حكومات البلدان، من المحتمل أن تواصل المخاطر السيادية تشويهها لعملية التمويل عبر الحدود". نعم، إلى حد ما من الواضح أن هذا صحيح ــ لكنه صحيح بالنسبة لبلدان ذات عملات خاصة بها، أيضا. سياسات البلدان التي تدمر النمو الاقتصادي سوف تشجع، نسبيا، التدفقات الخارجة بدلا من التدفقات الداخلة لرأس المال. وسياسات الاقتصاد الكلي غير المستدامة ستؤدي إلى الاستهلاك أو خفض قيمة العملات، الذي بدوره سيؤدي إلى هروب رأس المال من مقترضي القطاع الخاص والعام في البلد المعني. وسيكون ذلك صحيحا دائما ــ وهو أمر يتبين لنا من مجرد إلقاء نظرة خاطفة على التاريخ المالي ما قبل اليورو في البلدان الأوروبية. المقياس المرجعي الصحيح هنا هو ما إذا كان الاتحاد النقدي في أوروبا يستطيع أن يجعل تلك المخاطر أصغر حجما، أو على الأقل لا تزيد في حجمها، فيما لو احتفظت البلدان الأعضاء بعملاتها الخاصة بها.
لذلك دعونا نقدم ملاحظتين. الأولى هي أن اليورو في حد ذاته، من جوانب كثيرة، حقق هذا الهدف تماما. المخاوف من تعرض اليورو للتفكك، وليس وجوده، هي التي أنشأت "حلقة المصير المحتوم" التي زعزعت الاستقرار بشكل أكبر بين تمويل القطاعين العام والخاص. ثم انظر إلى ما حصل لظروف الاقتراض الخاص في منطقة اليورو بمجرد أن بدأ البنك المركزي الأوروبي في القيام بالأمر الصحيح: مع ظهور عمليات شراء السندات من قبل البنك المركزي، تراجعت تكاليف الاقتراض التي تتكبدها الشركات غير المالية في البلدان "الطرفية" التي تعاني من الضغط على المالية العامة على نحو يفوق ما في البلدان "الأساسية".
لذلك، حقق اليورو نفسه بعض التقدم في وعوده المتمثلة في فصل أوضاع المالية العامة عن الأوضاع المالية الخاصة حتى من دون وجود الاتحاد المصرفي.
ثانيا، لاحظ أن البلدان التي قاومت بشكل أكبر إصلاحات الاتحاد المصرفي ــ وأبرزها إيطاليا ــ هي تماما البلدان التي بقيت فيها البنوك والحكومات متشابكة ماليا على أكبر نحو ممكن. إسبانيا، التي احتضنت تلك الإصلاحات بشكل تام، تمثل الحالة المعاكسة. فالتجميع الفعلي للسيادة على التمويلات العابرة للحدود الذي اتخذته منطقة اليورو ــ في الوقت والمكان الذي اتخذ فيه بشكل جدي ــ كان يعمل في الاتجاه الصحيح، ونحن نرى ذلك في الممارسة العملية وليس فقط نظريا.
في الوقت نفسه، هناك نواقص كثيرة يعاني منها الاتحاد المصرفي. فهو يظل مليئا بالثغرات، كما أن السياسيين غير راغبين في احترام روحه في الوقت الذي يكتشفون فيه المدى الكامل لما ينطوي عليه. لكن هذا ليس حجة ضد رؤية منطقة اليورو لوجود اتحاد مصرفي، وإنما هو حجة لصالح تحقيق ذلك بالشكل المناسب وليس على نحو يفتقر إلى الحماس. عندما يكتب سوني كابور أن البنود الواردة في الاتحاد المصرفي بشأن قيام الشركات بالإنقاذ داخليا "من جيوب المساهمين وحاملي السندات" "تكون فاعلة إلى حد ما فقط" ويبين أن توقعات الإنقاذ الضمنية من الحكومات لا تزال مهمة، فإن هذا لا يبين، كما يدعي، بأن من "المستحيل أبدا الفصل التام لحلقة المصير المحتوم بين البنوك والسندات السيادية". إذا كان يثبت أي شيء، فإنه يثبت العكس: بمعنى أنه عندما تكون هنالك استثناءات وثغرات في قواعد الاتحاد المصرفي ــ فإن التعميم ذا الصلة يتطلب تخفيضا بنسبة 8 في المائة فقط من قيمة المطلوبات المصرفية المتعثرة ــ كما أن الآثار المرغوبة تكون واهنة، أيضا. لذلك، يجب على منطقة اليورو تعزيز قواعد الاتحاد المصرفي وإزالة القيود والثغرات.
هل هذا الأمر واقعي من الناحية السياسية؟ من الواضح أن السياسيين في البلدان المختلفة يكرهون التخلي عن السيطرة على المصارف في بلدانهم، ولو أنهم أدركوا ما يعنيه وجود اتحاد مصرفي، لما كانوا وافقوا على إنشائه قط في حزيران (يونيو) من عام 2012. لكن تذكر أننا نوازن بين اثنتين من الرؤى لصالح منطقة اليورو: اتحاد مصرفي كامل مقابل اتحاد أعمق في المالية العامة. السؤال هو ما نوع السيادة التي من المرجح أن يرغب القادة السياسيون في تشاركها؟ هل سيجدون التخلي حتى عن مزيد من السيادة الوطنية على الميزانيات الحكومية أكثر جاذبية؟ أم هل سيفضلون، كبديل لما تقدم، مشاركة السيادة على البنوك الكبرى؟ إذا كانت الجائزة على الحل الثاني هي إعادة بعض السيادة الوطنية على المالية العامة، كما اقترحت، فإن الاتحاد المصرفي يبدو حتى الآن أنه المسار الأكثر واقعية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES