هل نحن على أعتاب عصر المعلومات المزيفة؟

|
لقد شاع مصطلح الأخبار المزيفة وربما هو اليوم من أكثر التعبيرات لفتا للنظر. فما مدى صحته؟ وما مدى تأثيره؟ وهل هناك حلّ في الأفق لمعضلته؟ يربط أغلب أساتذة الإعلام شيوع المصطلح بظاهرة التواصل الاجتماعي الذي بواسطته صار بإمكان أي واحد منا أن يلعب دور الكاتب والناشر وصاحب وسيلة بإمكانها أن تجعل الرسالة متاحة لكل شخص له جهاز رقمي مرتبط بالإنترنت. وإن علمنا أن هناك أكثر من خمسة مليارات جهاز رقمي متصل بالإنترنت، لعرفنا مقدار التأثير الذي في الإمكان أن يحدثه الإعلام الجديد. قبل ثلاثة عقود ونيف، إن أراد شخص إيصال رسالته، لم يكن أمامه سوى محاولة نشرها في جريدة أو بثها عبر الأثير من خلال الراديو أو التلفزيون. هذه الوسائل لم تكن متاحة لأي كان بل للمهنيين الذين يعملون فيها. الحقل الوحيد المتاح للمتلقين في الصحافة مثلا كان حقل "رسائل القراء"، وكانت المساحة المخصصة له صغيرة جدا لا تلبي إلا رغبات عدد محدد جدا من القراء. بيد أن الأمور تغيرت جذريا بعد هيمنة الثورة الرقمية على حياتنا، وما تفعله بنا مواقع التواصل في تسويق كم هائل من المعلومات غير الموثقة، رغم أن مرسليها يتعاملون معها وكأنها الحقيقة. كان من المفترض أن تلغي الثورة الرقمية الفروق بين الشعوب والثقافات ومعها الحدود التي تميز وتفرز الناس عن بعضها، ولكن ما حدث كان العكس. صرنا اليوم قبائل بكل ما للكلمة من معنى، حيث نحتشد ونحشر أنفسنا ضمن مجموعات، كبيرة كانت أو صغيرة، تتماشى مع ميولنا ووجهات نظرنا، ونسعى جاهدين إلى فصل وإبعاد وانتقاد كل من يعاكسنا. دور الحقيقة والموضوعية والنزاهة والمعلومة الموثقة في تراجع خطير. الرأي العام لم يعد يكترث إن كانت المعلومة غايتها النقل والإخبار أم الترويج لميل محدد ووجهة نظر خاصة. نحن نمر حقا بعصر "ما بعد الحقيقة" post-truth؛ وهذا يعني أن الرأي العام اليوم يتشكل في الغالب من خلال التواصل الذي نحققه من خلال أجهزتنا الرقمية الذكية، الذي فيه كل مجموعة تتكئ على عواطفها وعقائدها ومعتقداتها الشخصية وتروج لها. هل نعرف كم مجموعة هناك في وسائل التواصل؟ ضمنا نحن نمر اليوم بمرحلة "اللاحقيقة"؛ لأن ما نروج له وكأنه "الحقيقة" غير موثق أولا، وثانيا يعكس توجهنا وميلنا. بمعنى آخر، الحقيقة نصنعها نحن من خلال التحشد والحشر مع نظرائنا وأقراننا من الذين يحملون النظرة ذاتها والتوجه والميل. نحن صرنا نصل إلى ما نراه الحقيقة، وهو في الحقيقة "اللاحقيقة" من خلال ثقافة القبيلة، وهي ثقافة الحشد أو الحشر. ألم تقل العرب قديما "إن الحشر مع الناس عيد". اليوم صار مقابل كل حقيقة، حقيقة مقابلة، والشكر يعود لمواقع التواصل التي مكنتنا من العودة إلى العصبية القبلية التي تجعل الناس ينهضون ويحتشدون معا، ويشكلون مجموعات تهب لمساندة بعضها بعضا في وجه من يعاكسها. العالم كله تقريبا ترضعه اليوم "أمهات أربع"، المصطلح المجازي الذي أستخدمه أحيانا للإشارة الى شركات الإنترنت والثورة الرقمية العملاقة – جوجل وفيسبوك وأبل وأمازون. هل تعرفون ماذا تفعل بنا الشركات الأربع هذه؟ لقد صارت من خلال الأجهزة الرقمية والذكية تتحكم في مسار عقولنا وأفكارنا، وصارت تحشدنا وتحشرنا معا، وبواسطتها نتهافت على ما يتماشى مع ميولنا ونصرخ في وجه ما يعاكسها. والأنكى، أننا أناس مطيعون لكل التعليمات التي تضعها هذه الشركات لنا، حيث نقوم بتنفيذها بحذافيرها. نمنحها ما تطلبه من معلومات وننساق وراءها، وننسى أنها جعلتنا نرى ما نحن عليه وكأنه شيء مطلق لا نقبل مناقشته. نهرع لمساندة أصحابنا من خلال التعليق والتأشير على رموز تدلل على ذلك، ونهب لمعارضة ما لا يتماشى مع ميولنا من خلال تعليقات سلبية والتأشير على رموز تدلل على ذلك. ما يحدث يشبه إلى حدّ كبير ما كان يدور بين القبائل، حيث يردد المنتمون إلى القبيلة الأهازيج والأشعار التي كلها تفتخر وتمتدح القبيلة، وإن كانت القبيلة في صراع مع قبيلة أخرى، تؤلف أهازيج وأشعارا لهجائها. وهكذا أخذت المعلومات غير الموثقة "المزيفة" تدور وبسرعة مذهلة نتيجة الثورة الرقمية حول بيئتها التي أزاحت هذه الثورة حدودها جغرافيا، ولكن حشرتها وحشدتها في مساحة فكرية ضيقة جدا. وتخرق المعلومات غير الموثقة بيئتها بسرعة البرق، وتستقر وتستوطن وبقوة حيث يصبح من الصعوبة بمكان مراجعتها أو تصحيحها. الحقيقة تنهار أم هجمة اللاحقيقة؟ والسبب الرئيس هو تفشي المعلومات غير الموثقة التي لا يمكن التحقق منها. هناك اليوم كم هائل من المعلومات التي ينافس بعضها بعضا لجذب الناس وحشرهم معا. أخذ كثير من المفاهيم والأفكار والفلسفات يسقط تباعا، ونعيد كتابة وصياغة التاريخ، ولكن استنادا إلى معلومات في الغالب لا نستطيع التحقق منها.
إنشرها