المشراق

علي العبداني ونشأة الصحافة في الرياض

تتناول هذه المقالة سيرة صحفي وأديب كان شاهدا على نشأة الصحافة والطباعة في مدينة الرياض، ورغم عمره القصير الذي لم يتجاوز 26 عاما إلا أنه ترك بصماته الواضحة في عالم الصحافة.

المولد والنشأة
في أواخر عام 1353هـ ولد علي حمد بن إبراهيم العبداني في بلدة البكيرية في القصيم. وكان والده من الرجال الجسورين، وقد ذهب مع العقيلات عدة مرات في رحلات تجارية لعدة مناطق خارج السعودية. ولذا فقد كان لديه سعة أفق، ووعي بأهمية العلم والمعرفة. وما إن بلغ ابنه علي الثامنة من العمر حتى أدخله الكتّاب كي يحفظ القرآن الكريم، ويتعلم القراءة، والكتابة، والحساب، ومبادئ العلوم.
كان الطفل علي نبيها، شديد الذكاء، سريع الحفظ، محبا للدراسة، مواظبا على الحضور إلى الكتّاب، متميزا بين أقرانه. فحاز إعجاب وثناء معلمه الأول الشيخ عبدالرحمن بن سالم الكريديس. وقرأ عليه القرآن الكريم، وحفظ غالبيته، وأتقن القراءة والكتابة، ثم اضطر إلى الانقطاع عن الكتّاب في أوائل عام 1363هـ، حيث رحل مع والده وعائلته إلى مدينة الرياض، العاصمة، وكبرى مدن نجد، ومكث هناك سنة كاملة رأى فيها التعليم النظامي وتمنى لو التحق به، ثم عاد إلى البكيرية مواصلا تعليمه التقليدي، وواتته الفرصة كي يحقق طموحه في عام 1367هـ حين افتتحت أول مدرسة نظامية في مدينة البكيرية، مدرسة العزيزية، فكان من أوائل الملتحقين بها، واصل تحصيله العلمي حتى تخرج في هذه المدرسة بتفوق. ونظرا إلى تميزه، وحاجة المدينة إلى مدرسين، فقد عين أستاذا في هذه المدرسة وهو في السنة الخامسة، إذ كان يدرس طلاب السنوات الأولى، وفي الوقت نفسه يواصل دراسته، وحين تخرج كان ترتيبه السابع على طلاب مدارس السعودية، علما أنه كانت تشكل لجنة لاختبار الطلاب من مديرية المعارف، وكانت الشهادة تصدر من مدينة مكة المكرمة. وبعد تخرجه استمر يدرس الطلاب، وقد عرف بين أهل مدينته بلقب الأستاذ، وكانت له في نفوسهم محبة كبيرة، واحترام وتقدير من الكبير والصغير. ظل في مدرسة العزيزية إلى أن افتتحت مدرسة جديدة في البكيرية أوائل عام 1372هـ وهي المدرسة السعودية، فاختير للإشراف عليها وإدارتها، إضافة إلى تدريس الطلاب، استمر مدرسا ومديرا لهذه المدرسة عدة أشهر، لكن طموحه سار به إلى مدينة الرياض حيث المراكز العلمية أكبر والإمكانيات أوفر، والحركة العلمية والثقافية لا تقارن بمدينته الصغيرة.

في الرياض
في أواخر عام 1372هـ انتقل العبداني إلى مدينة الرياض، وتفكيره منصب على أعلى المراكز العلمية في هذه المدينة، وهو معهد الرياض العلمي، الذي افتتح قبل عام. وفي عام 1373هـ واصل دراسته في هذا المعهد، الذي كان يدرس فيه كبار العلماء من السعودية ومصر وغيرها من الدول العربية، وقد عمرت ردهات المعهد، وناديه الأدبي بالنقاشات المتعددة بين طلابه ورواده في المسائل الدينية، والفكرية، والأدبية، والسياسية، وكان علي العبداني ممن يشاركون باستمرار في هذه النقاشات، التي كانت تثري ثقافة الحضور والمتناقشين، وتعطيهم أفقا رحبا في تقبل الآراء المخالفة. ومما يذكره أقرانه وعارفوه عنه في تلك الفترة أنه كان قوي الحجة، سريع البديهة، متوقد الذهن، حاضر النكتة، وأنه كان متفوقا علميا وثقافيا.
نبغ العبداني في دراسته، وحاز إعجاب شيوخه وأساتذته، وذاع صيته، واشتهر بين أهل العلم والمعرفة. وخلال دراسته في المعهد عمل مراسلا لجريدة البلاد السعودية، التي تصدر من مدينة جدة، ثم ابتدأت مرحلة جديدة ومهمة في حياته المهنية والثقافية.

في الصحافة
في تلك الفترة كان الشيخ حمد الجاسر مديرا لكلية العلوم الشرعية واللغة التي تأسست في مدينة الرياض عام 1373هـ، ووكيلا لمدير المعاهد والكليات، وكانت علاقة الشيخ الجاسر بالمعهد قوية، يزوره باستمرار، وهناك التقى العبداني، وعرفه عن كثب، داخل المعهد وخارجه، وأعجب بهذا الشاب المثقف، وربما أن الجاسر اطلع على كتابات العبداني في جريدة البلاد، وعرفه من خلالها.
كان حمد الجاسر يعد العدة لإنشاء أول شركة للطباعة والنشر في منطقة نجد، وتطوير مجلة اليمامة لتصبح جريدة أسبوعية، وبحث عن كوادر مؤهلة للعمل في هذا المشروع، ورجل كفء كي يدير هذا العمل. ورأى أن العبداني هو الشخص المناسب، وكان الأخير راغبا في ذلك، فالتحق بالعمل في شركة الطباعة والنشر الوطنية ــ مطابع الرياض ــ، وانضم إلى أسرة تحرير جريدة اليمامة وكتابها. وفي يوم الأحد 1 صفر 1375هـ/ 18 أيلول (سبتمبر) 1955 بدأت في الظهور صحيفة أسبوعية، وكان العدد الصادر في هذا اليوم هو عددها الأول، وكان من المستحيل صدورها أسبوعيا دون وجود مطابع في مدينة الرياض، وتأسست أولى المطابع في مدينة الرياض، وكان أول مدير لها هو علي العبداني. وقد اتفق كل الذين كتبوا وتحدثوا عنه على أنه كان في غاية النشاط، والحرص، دقيقا في مواعيده، مثابرا في عمله، وأنه أسهم بشكل كبير في ازدهار هذه الشركة، وأن العمل الذي كان يقوم به يعجز عنه عدة أشخاص. أما في جريدة اليمامة فيكفي دليلا على الجهد الكبير الذي بذله ما ذكره الأستاذ الأديب عمران العمران، إذ ذكر أن الصحيفة كانت في فترتها الأولى قائمة على ثلاثة أشخاص فقط، هم حمد الجاسر والعبداني إضافة إلى عمران نفسه.

العبداني كاتبا
كتب علي العبداني أول مقالاته في اليمامة بعنوان "في محيط التعليم: البيت والمدرسة" في يوم الأحد 25 ربيع الآخر 1375هـ/ 11 كانون الأول (ديسمبر) 1955. ومنذ العدد 23 أصبح كاتبا لزاوية ثابتة اسمها "صوت الجمهور" وفي العدد 93 أصبح اسم الزاوية "في الصميم" وكانت الغالبية المطلقة من مقالاته مختصة بالشؤون الداخلية، وحاجات المواطنين، وهمومهم، وشؤونهم، ومشكلاتهم الاجتماعية، والمعيشية، وبما تحتاج إليه مدينة الرياض وبقية المدن والقرى السعودية من خدمات، وإصلاحات، وفي تطوير التعليم ومحو الأمية، والاهتمام بالصحة والمستشفيات، وأحيانا يكتب في شؤون السياسة. كما كتب سلسلة قصصية بعنوان "قال الشيخ لتلميذه"، ونراه أحيانا يكتب رسالة البكيرية ضمن الزاوية الخاصة برسائل المدن والأقاليم، وهذه الزاوية تهتم بآخر أخبار هذه المدن والقرى. ومن يطالع مقالاته يرى فيها صدق اللهجة، والجرأة، والبحث المستمر عن حلول لمشكلات يعيشها المجتمع، ومطالبة المسؤولين بتأدية واجبهم تجاه الوطن والمواطن. كان كاتبا وطنيا، سخر قلمه لخدمة المجتمع والدفاع عن قضاياه اليومية، حارب الفساد الإداري، وكشف جشع التجار، مطالبا بوضع حد لطمعهم وجشعهم، طالب بإصلاحات في التعليم، والصحة، والطرق، والمواصلات، وسكة الحديد، والمطار... وغيرها. وفي الإجمال فقد كان مرآة لواقع المجتمع، ولا سيما في مدينة الرياض، وكان القلم الذي حمل هموم عامة الناس، وأوصلها إلى الجهات المعنية، ذات الاختصاص. وقد واجه في سبيل ذلك مجموعة من المتاعب والمصاعب، كما هو واضح من المقالات التي كتبت في تأبينه، وكما سمعت من بعض معاصريه. وإذا أخذنا بعين الحسبان الحالة السائدة في المجتمع إبان الفترة التي كتب فيها "1375 ــ 1379هـ"، من أمية متفشية، ورفض للنقد، وحجر على الآراء المخالفة، وتشدد في قبول المقترحات الجديدة، وغيرها من الأمور، فسنعرف القيمة الحقيقية لما قدمه العبداني.

وفاته
كان علي العبداني ــ إضافة إلى عمله مديرا لمطابع الرياض ــ أحد محرري جريدة اليمامة، وكتابها الدائمين، وأحيانا إذا غاب رئيس التحرير الشيخ حمد الجاسر يتولى هو رئاسة تحريرها، وكان الجاسر في تلك الفترة مسافرا، فأسند إلى العبداني رئاسة التحرير نيابة عنه، فاستدعته المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر في جدة لشأن يتعلق باليمامة، فذهب وقابل من استدعاه، ومكث في جدة أسبوعا ثم عاد إلى الرياض، وكتب آخر ما نشر له في اليمامة بعنوان: أسبوع في جدة، ولم يلبث في الرياض سوى يومين، ثم استدعي مرة أخرى إلى جدة، فذهب مرة أخرى بالطائرة في يوم 14 ربيع الأول 1379هـ. ثم جاء الخبر بموته في حادث انقلاب سيارة قادمة من المدينة المنورة إلى جدة قرب ذهبان، في ليلة الخميس 21 ربيع الأول 1379هـ. وذكرت جريدة البلاد أنه توفي في المستشفى العام بباب شريف، حيث نقل إليه بعد الحادث. هذا ما أعلن في حينه، ونشرته صحيفة البلاد، ثم نقلته عنها اليمامة. وأيا كان الأمر، فقد جاء خبر موته صاعقة مفزعة، مؤلمة، مبكية لكل من عرفه.
أعلنت الإذاعة السعودية خبر وفاته في نفس اليوم، ونعته إلى المستمعين. ونشرت جريدة أم القرى نعيا رسميا من المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر مع تعزية لأسرته وأسرة تحرير جريدة اليمامة، ووصفته المديرية في هذا النعي بدماثة الأخلاق والإخلاص في خدمة الوطن.
ظلت الصحف عدة أسابيع تنشر التعازي، والمقالات، والقصائد في تأبينه ورثائه. وهو أمر يستدعي الانتباه، خصوصا في تلك الفترة التي كانت فيها الجرائد محدودة الصفحات، ولا تنشر إلا أشياء مهمة. فمثل هذا لو حدث لأمير كبير القدر، أو عالم دين شهير متبوع، أو وزير عظيم النفع، لكان شيئا متوقعا. أما أن يحدث ذلك لشاب في الـ 26 من عمره، ولم يستقر في مدينة الرياض إلا قبل خمس سنوات وأشهر، فهذا ما يثير الاستغراب، ولا أجد له تفسيرا إلا أن هذا الشاب يملك قدرة عالية في تفكيره، وأخلاقه، وتعامله، وعمله، جعلته يكتسب هذه المحبة الكبيرة، والشعبية الجارفة في سنوات معدودة من شتى طبقات المجتمع، وهذا ما ألمسه وأستشفه من المقالات التي تحدثت عنه.

أول مذياع في البكيرية
يذكرالشيخ محمد السبيل، إمام وخطيب المسجد الحرام، وهو من أساتذة علي العبداني في المدرسة العزيزية في البكيرية "1367 ــ 1370هـ"، أن العبداني وهو تلميذ كان يملك مذياعا "راديو"، وأنه يستمع بحرص إلى البرامج الثقافية والأخبار السياسية. ويرى بعضهم أنه أول شخص يمتلك مذياعا في مدينته، إلا أنه ليس ثمة ما يؤكد ذلك أو ينفيه، إذ إن الناس حينها كانوا يخفون امتلاكهم المذياع، لأسباب متعددة، وسواء هو الأول أو لا، فمن المؤكد أنه من طليعة الأوائل الذين امتلكوا المذياع، وهذا يدلنا بشكل واضح على مدى اهتماماته الثقافية، وتطلعه الشديد إلى معرفة كل ما هو جديد، وعقليته التي ترفض التحجر.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق