حساسية الإيرادات غير النفطية والإنفاق الرأسمالي

|

يمتد الحديث هنا في سياق تحليل تطورات الميزانية الحكومية، إلى أحد أهم جوانبها وأكثرها حساسية على الإطلاق، الممثل في جانبين رئيسين من الميزانية، البند الأول ممثلا في الإيرادات غير النفطية، والبند الثاني ممثلا في الإنفاق الرأسمالي، لما لهما من أكبر الأثر في النمو الاقتصادي المحلي عموما، ولعلاقتهما الوثيقة والمؤثرة جدا في القطاع الخاص بشكل خاص، حيث سيعتمد التمويل المستهدف للزيادة المطردة سنويا طوال الأعوام القادمة للبند الأول "الإيرادات غير النفطية"، على منشآت القطاع الخاص بدرجة أكبر، ما يعني بدوره زيادة مؤكدة في تكاليف التشغيل والإنتاج على كاهل تلك المنشآت، في الوقت ذاته الذي ستكون فيه منشآت القطاع الخاص أكثر الأطراف تأثّرا بترشيد الإنفاق الرأسمالي ورفع كفاءته، وما سيترتب عليه من انخفاض ملموس في مستوياته السنوية التي اعتاد عليها طوال الأعوام الماضية، التي كان أكبر المستفيدين منها سابقا منشآت القطاع الخاص.
البند الأول- الإيرادات غير النفطية، البند الثاني من الإيرادات الحكومية، المستهدف زيادته سنويا طوال الأعوام القادمة وفق برنامج تحقيق التوازن المالي 2020، وصولا إلى نحو 570 مليار ريال بنهاية العام المالي 2020، مقارنة بالمستويات الراهنة للإيرادات غير النفطية 186 مليار ريال بنهاية 2016، ثم وصولا بمستواها السنوي إلى نحو 1.0 تريليون ريال بحلول 2030، وهو الهدف الاستراتيجي الطموح جدا، الذي يعادل حجمه تقريبا في عام مالي واحد فقط، مجموع ما تم تحصيله كإيرادات غير نفطية خلال الفترة 2008-2016، ويصل حجمه أيضا إلى نحو 5.4 أضعاف ما وصلت إليه الإيرادات غير النفطية بنهاية 2016.
البند الثاني- الإنفاق الحكومي الرأسمالي على المشاريع، وهو البند المستهدف بإحكام الرقابة عليه وحمايته القصوى من الفساد المالي والإداري، وترشيده ورفع كفاءة صرفه وإنفاقه بالاعتماد على أفضل الممارسات العالمية، بدءا من المرحلة الراهنة واستمرار ذلك مستقبلا، والاعتماد في تنفيذ ذلك الهدف على دراسة العائد التنموي للمشاريع، وتقييم كل من القيمة المضافة للمشاريع ومستوى المخاطر المترتبة في حال عدم إنجازها. كان من النتائج الأولية لتطبيق تلك المنهجية الكفء، تحقيق وفورات مالية مهمة جدا بلغت نحو 100 مليار ريال في مرحلتها الأولى، تم إلغاؤها من أصل 220 مليار ريال مثلت القيمة المتبقية من دفعات مشاريع حكومية، بلغت تكلفتها الإجمالية نحو 490 مليار ريال. ويجري العمل في الوقت الراهن على استهداف المتبقي من تكاليف المشاريع الرأسمالية على مستوى المملكة للقطاع الحكومي (13 جهة حكومية)، بلغ إجمالي تكاليفها نحو 1.2 تريليون ريال، سيتم الاعتماد في دراسة العائد التنموي منها وتقييم قيمها المضافة ومستويات المخاطر، وهو ما يعني خفضها بما لا يقل عن 50 في المائة أو أكثر (وفورات تتجاوز 600 مليار ريال)، وهو ما سيؤثر حتما في هوامش ربحية منشآت القطاع الخاص بالانخفاض في الأجل القصير، ولا يعد ذلك أمرا سلبيا في المنظور العام، بل لا يمكن الاعتداد به في الأجل المتوسط والطويل، ومقابل حماية الموارد المالية الحكومية المحدودة، إضافة إلى حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع بشكل عام.
لم تتجاوز نسبة الإيرادات غير النفطية إلى إجمالي مصروفات الحكومة خلال الفترة 2009-2014 سقف 12.6 في المائة، في الوقت ذاته الذي راوحت تلك النسبة لدول مجموعة العشرين بين 101 في المائة لدولة ألمانيا، ونحو 74 في المائة للهند، مقارنة بنحو 99 في المائة للنرويج كدولة يشابه وضعها نفطيا المملكة. نجحت المراحل الأولى لتطبيق برنامج تحقيق التوازن المالي 2020، في رفع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى إجمالي مصروفات الحكومة إلى نحو 25 في المائة بنهاية الربع الثالث من العام الجاري، ويتوقع أن تتصاعد تلك النسبة سنويا حتى تتمكّن من تغطية إجمالي مصروفات الحكومة بالكامل بنهاية 2030، وهو التحدي الكبير بكل تأكيد على كاهل القطاع الخاص، يضاف إليه التغيير الشامل الذي طرأ على منهجية الإنفاق الحكومي الرأسمالي، يتوقع أن يشكّلا معا ضغوطا جسيمة على منشآت القطاع الخاص، وستعمل المالية الحكومية بموازاتها على امتصاص أكبر قدر منها عبر عديد من برامج التحفيز، إلا أنّها البرامج التنموية التي ستخضع آلياتها لنفس منهجية دراسة كفاءة الإنفاق الرأسمالي، وهو الأمر الإيجابي الذي ستنتج عنه المحافظة على بقاء الكيانات الأكثر إنتاجية وأهمية للاقتصاد الوطني.
في الوقت ذاته الذي لن يكون مفيدا لكيانات أخرى من القطاع الخاص، كان من أقل أضرار وجودها ضعف مساهمتها في النمو الاقتصادي تحديدا، وضعف مساهمتها في تحقيق التنمية الشاملة بشكل عام، دع عنك من كان وجوده ذا أثر سلبي في النمو والتنمية، ما يعني أن انتهاءه سينعكس إيجابيا على الاقتصاد الوطني بكل تأكيد، ولما سيفتحه ذلك الخروج غير المأسوف عليه لتلك المنشآت من فرص واعدة أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة الجديدة، والنتائج المأمولة لضخ مئات المليارات من الريالات كرؤوس أموال وطنية وأجنبية مستقبلا، التي تستهدف تحقيق مزيد من تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وما سينتج عنه من إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة أمام الباحثين والباحثات عن عمل من المواطنين والمواطنات، عوضا عن عشرات الآلاف من فرص العمل غير المجدية في الوقت الراهن، نتج عنها تفاقم التوظيف الوهمي أكثر من تحقق التوظيف الأمثل للموارد البشرية الوطنية، وتسبب أيضا في تفاقم استقدام العمالة الوافدة الأقل تأهيلا من الخارج. كل تلك النتائج ستكون بكل تأكيد محل ترحيب من الغالبية، رغم الآلام المحتملة على كاهل الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص تحديدا في الأجل القصير.
بالنظر إلى النتائج النهائية المأمول تحققها في هذا الخصوص، وفقا لـ"برامج التحول 2020" و"رؤية المملكة 2030"، مقارنة بما قد يطرأ من آثار قصيرة أو حتى متوسطة الأجل في الأداء الاقتصادي عموما، وفي القطاع الخاص تحديدا، سيكون الأهم هنا هو سرعة التدخل الحكومي للمحافظة على كل من النمو والاستقرار الاقتصاديين، ودراسة الخيارات المتاحة والممكنة التي تبقي أهداف التحول والرؤية ممكنة التحقق، في الوقت ذاته الذي تعمل بفعالية أعلى على المحافظة على الكيانات والركائز الراهنة للاقتصاد الوطني، وهي بكل تأكيد الاعتبارات التي لا تقل أهميتها بأي حال من الأحوال عن التطلعات المشروعة لرفع الإيرادات غير النفطية، ولا تقل أيضا عن محددات رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي. والله ولي التوفيق.

إنشرها