ثقافة وفنون

أجيال «ذهبية» مدينة لمجلات الأطفال .. والتلفزيون ليس بديلا

خرّجت مجلات الأطفال جيلاً ذهبياً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ونجحت في بناء جيل واعٍ ومثقف، عبر صفحتها المليئة بالعبرات والقصص والألغاز وكل ما هو مسلٍ، قبل أن تقسو عليها التقنيات الحديثة، وباتت شحيحة الظهور، ومهددة بالانقراض.

95 % أقفلت أبوابها
مجلة باسم الصادرة عن الشركة السعودية للأبحاث والنشر، ومثلها ماجد، ميكي، علاء الدين، سمير، حاتم، السندباد، العربي الصغير، الفاتح، توم وجيري، تان تان ونحو 100 مجلة غيرها من المجلات الورقية، كانت خير جليس للطفل العربي، لإثرائها معارفه بكل ما هو مفيد، وتأثيرها في أفكاره وثقافته، وتنمية عادات القراءة لديه، فضلاً عن شحذها إبداعاته وخيالاته، أصبحت اليوم من المطبوعات التي لا يتذكرها سوى من يتجاوز من عمره الثلاثين عاماً.
تقول دراسة للباحثة المصرية نجلاء علام حول مجلات الطفل العربية، "إن عدد المجلات المنتجة للأطفال في العالم العربي منذ عام 1870م كان 101 مجلة، ولأسباب مختلفة، كانت بداية الألفية هي بداية النهاية لمجلات الأطفال، إذ أقفلت على مدى العقد الماضي ما يزيد على 95 في المائة منها، متأثرة بعوامل متنوعة؛ مثل زيادة تكلفة الطباعة مقارنة بانخفاض العوائد الإعلانية، وضعف التسويق والتوزيع، ودخول التقنيات الحديثة كالهواتف والأجهزة الذكية التي مهّدت لثقافة المحتوى المجاني".
وبالطبع، مثّل توقف هذه المجلات العريقة صدمة للملايين ممن نشأوا على حب هذه المجلات ونهلوا من أدبها، ليفقد أدب الطفل في المحصلة أحد أهم مساراته، وأكثر تأثيرها في تنشئة الطفل، فبحسب دراسة "القصة في مجلات الأطفال ودورها في تنشئة الأطفال اجتماعياً" للدكتورة أمل حمدي دكاك، فإن القصص المنشورة في مجلات الأطفال واحدة من الأساليب الفعالة في عملية التنشئة الاجتماعية، التي تكسب الطفل القارئ مجموعة من القيم، والاتجاهات، والأفكار، واللغة، وعناصر الثقافة والمعرفة، ما يسهم في تكوينه على نحو يختلف تماماً عن الطفل غير القارئ.

نسخ إلكترونية
من السهل معرفة الفرق بين الطفل القارئ ونظيره غير القارئ، لكن ليس بالسهولة ذاتها يمكن إصدار مجلة للأطفال بمعايير وظروف النشر الحالية، وبميزانية مستقلة غير مدعومة حكومياً، سيما إن عرفنا أن إصدار عددٍ واحد من المجلة يتطلب ميزانية تتجاوز 300 ألف ريال، في حين قد لا يحقق العدد المطبوع نصف هذا الرقم من عوائد الاشتراكات والإعلانات.
ولعل التكلفة المرتفعة للإصدار الورقي دفعت عددا من المجلات إلى التحول إلى النسخ الرقمية على الإنترنت، وفاء للقراء الصغار، الذين أصبحوا اليوم في مراكز قيادية، ورجالاً يعتمد عليهم، لكن هذا الحل لم يدم طويلاً، إذ توقفت معظم هذه النسخ الرقمية لعدم إيمان المعلن بجدوى الإعلانات على الإنترنت في بداية الألفية.
واليوم، ينادي مثقفون بعودة هذه المجلات، سواءً كانت ورقية أم بنسخة إلكترونية عبر الإنترنت، خصوصاً بعد تطور أنظمة حماية الملكية الفكرية، ووجود تجارب عالمية ناجحة لمجلات وصحف تمكنت من فرض رسوم اشتراك رمزية لمن يطلب محتواها، في وقت نجح فيه مهتمون بمجلات الأطفال في إتاحة أعداد قديمة لهذه المجلات على مدونات ومواقع متخصصة على الشبكة العنكبوتية، تضمنت أعداداً من سبعينيات القرن الماضي بكل ما تحتويه من قصص وكنوز ثقافية نفيسة، وكذلك أعداداً متفرقة من أمهات مجلات الأطفال في دول كالأردن ومصر والإمارات والسعودية.
لمَ لا توزع وزارة التعليم مجلة للأطفال؟
رغم اندثارها، ينصح أطباء علم النفس والإخصائيون الاجتماعيون بالعودة إلى عصر مجلات الأطفال، ولو بنسخ إلكترونية على الأجهزة الذكية، فقد أثبتت دراسات حديثة جدوى هذه المجلات وفعاليتها بالتأثير في تربية الطفل، وتهذيب أخلاقه، وتقيلل احتمالية إصابته بالتوحد.
مثقفون وأولياء أمور تمنوا في حديثهم لـ "الاقتصادية" عودة تلك المجلات بروح عصرية، ومواكبة التطورات التقنية الحديثة، وتساءلوا: لمَ لا تُدعم مجلة للطفل حكومياً من قبل وزارة التعليم وتطبع وتوزع على مكتبات المدارس الابتدائية؟
وأكدوا في حديثهم أن الوزارة دأبت لسنوات طويلة على توزيع مجلة المعرفة، التي تناسب الأطفال في فصول دراسية متقدمة، في حين يحتاج الطفل إلى مجلات بمحتوى خفيف، ذي رسومات مبهجة، فيه واحة من التسلية والألغاز والقصص، وتخاطبه بما يليق به، وقد تبدو فكرة جيدة إن كانت صديقة للأجهزة الذكية، يسهل تحميل محتواها عبر شبكة الإنترنت.
واقترح أولياء أمور ومعلمون أن تعمل هذه المجلة - إن أتيحت - على تحسين الصورة الذهنية للطالب عن المعلم، على أن تحتوي المجلة أيضاً توعية ببعض الأمور التي قد يجد الأهالي حرجاً في تناولها مع الأبناء، مثل كيفية تعامل الطفل مع المشكلات التي تواجهه، والتوعية بأساليب التحرش الجسدي وكيفية التصرف في مثل هذه الحالات.

قنوات الأطفال بديلاً
يرى أدباء أن القنوات التلفزيونية الموجهة إلى الطفل قد تكون بديلاً لمجلات الأطفال، لكن ليس بالتأثير نفسه، إذ لا تسمح هذه القنوات للطفل باستخدام مخيلته، كما لا تقوي مهاراته اللغوية وقدرته على القراءة والتهجئة بالشكل المطلوب، ولا تسمح له بممارسة الكتابة، وحل الألغاز، وقراءة القصة كلما أراد وفي كل زمان ومكان.
تكشف الإحصائيات وجود أكثر من 20 قناة تلفزيونية عربية موجهة إلى الطفل، لكن هذه القنوات تعاني انخفاضاً في نسبة المشاهدة، لانصراف الأطفال عنها وتفاعلهم مع أجهزة الألعاب التي تستنزف قدراتهم الذهنية وطاقاتهم الجسدية، وكذلك أجهزة الحاسوب اللوحي والهواتف الذكية وما تتضمنه من محتوى غير ملائم، ما يجعل المجلة الإلكترونية التفاعلية خياراً صحياً سليماً أمام الطفل، الذي ينتظر من ينتصر له وسط فوضى وعشوائية التطبيقات والمواقع الإلكترونية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون