ثقافة وفنون

السعادة صناعة .. حرفتها الكلام

السعادة ذلك الإحساس الذي يصعب علينا وصفه أو تحديد معناه ومصدره. وكثيرا ما يخلط الناس بين مفهوم السعادة واللذة، فالسعادة حالة مستقرة ودائمة، لكن ما نستطيع عادة تحقيقه هو تحقيق لذّات ورغبات ما تفتأ تزول، أو تنتهي في الزمن. لكن، قد يؤدي اعتبار السعادة حالة دائمة إلى جعلها حالة مستحيلة. والحقيقةُ أنّ السعادةَ تكمن في طريقة تدبير رغباتنا. ولأنّ كل رغبة تولد من نقص، من حالة عدم الإرضاء، ومن ثمّ فهي في الأصل معاناة، وكل إرضاء هو انطلاق لرغبة جديدة ولمعاناة أخرى وهكذا دواليك.
يشير جورج لايكوف إلى أن بناء مفهوم السعادة أو الفرح استعاريا يعتمد على تجربتنا الفضائية وذلك باعتبارنا كائنات تحددنا الاتجاهات كالأعلى والأسفل، واليمين واليسار، والمركز والهامش.. وعليه فإننا نبني مفهوم السعادة استنادا إلى تجربة العلا، ونبني مفهوم الشقاء استنادا إلى تجربة الدنو لنحصل على الاستعارة السعادة فوق/الشقاء تحت. وهذا النوع من الاستعارات الإدراكية يطلق عليه اسم الاستعارة الاتجاهية. وفي تعبيراتنا الشائعة في اللغة العربية نقول "أشعر أنني في قمة السعادة" و"ارتفعت معنوياتي اليوم" و"فلان طائر من الفرح".
إن أصل المعرفة عند الإنسان حسي تجربيي وإن التعبيرات اللغوية عند الإنسان عن المشاعر عموما والسعادة على وجه الخصوص مبنية على التصور التجريبي بالضرورة. وإن مشاعر السعادة/الفرح استجابات سلوكية يؤثر فيها الإدراك والخبرة الحسية، وما هو مقبول اجتماعيا في وسط ثقافي قد يكون مرفوضا في وسط ثقافي آخر. مثل فقدان السيطرة على الجسد للتعبير عن السعادة، أو الشعور بالخفة أو الطرب والتعبير عنه رقصا. وبذلك نرى أن الشعور بالسعادة قوة طبيعية تسيطر عليها مؤثرات ثقافية أو اجتماعية. واللغة التي نستخدمها لنعبّر بها عن السعادة تكشف لنا الطبيعة التي نفكر بها عن السعادة أو الفرح.
ويُبنى مفهوم السعادة في اللغة العربية من خلال تصويرها بمفاهيم وعلاقات مستمدة من مجال المكان حيث تكون السعادة مكانا واسعا ممتدا، فالسعادة واسعة، والشقاء ضيق؛ في تعبيرات من قبيل "انفرجت أساريره" و"وسّع الله عليه" عند الحديث عن السعادة، أو"ضاقت به الدنيا" و"ضيقة الصدر" عند الحديث عن الشقاء والحزن.
وإذا لم تكن السعادة موجودة على الأرض متمثلة في مكان ما، أو طريق ما، فإنها تتمثل في الانطلاق نحو الأعلى في تعبير استعاري آخر. والنظر إلى السعادة استعاريا بوصفها شيئا موجودا في الأعلى ترتبط بها تعبيرات متعلقة بـ "التحليق والطيران والارتفاع والبناء". وفي المقابل بالنظر إلى الشقاء استعاريا بوصفه شيئا موجودا في الأسفل وترتبط به تعبيرات متمثلة في "الهبوط والانحدار والتحطيم والإحباط". واستعارة الارتفاع إلى الذروة هنا ليست استعارة اعتباطية أو بعلاقة الشبه فقط إنما أساس هذه الاستعارة موجود في تجربتنا الفيزيائية والثقافية، وذلك مرتبط بالاتجاه الفضائي من هيئة جسد الإنسان الذي يمشي منتصبا وعلاقته بمحيطه الفيزيائي حين يعتريه الشعور بالخفة حال البهجة أو الفرح أو السعادة فتجعله يعبر عن السعادة بالطيران، أو الارتقاء، أو الصعود "وأكاد من فرط السرور أطير"، أو كما يقال في التعبير الشائع "أشعر أني في قمّة السعادة".
ويُبنى مفهوم السعادة استنادا إلى تجربة الطعام "السعادة طعام لذيذ/الشقاء طعام مرّ"، وهنا يكون تصوير السعادة بمفاهيم وعلاقات مستمدة من مجال الطعام والشراب فالسعادة دائما طعام حلو شهي، أو شراب لذيذ المذاق، في مقابل الشقاء طعام كريه شديد المرارة "تذوقت مرارة الشقاء"، "تجرعت مرارة الحزن" وفي سياق مرارة الشقاء أيضا "مرارة الفقر" وحلاوة الغنى" والشقاء "جوع" والسعادة "شبع"، حيث يستعمل مفهوم السعادة للتعبير عن حالة الإشباع التام للحاجات الطبيعية عند الإنسان. وحالة الإشباع في تمثيل مفهوم السعادة ليست فقط في إشباع الحاجة إلى الطعام؛ لكن أيضا إشباع كل الحاجات الطبيعية؛ ومنها الحاجة إلى امتلاك المال الذي يكون وسيلة لتوفير بعض الاحتياجات.
وتظهر في اللغة العربية الحديثة تعبيرات ذات سمات استعارية خاصة. وذلك بإبداع صور استعارية جديدة لتمثيل مفهوم السعادة مستمدا من تجارب حديثة مثل "السعادة/صناعة" أو "السعادة/فن" أو "السعادة/تقنية". من ذلك قولهم "إن السعادة هي من صنعنا نحن، يكفي أن نعرف كيف نوجدها بأفكارنا". وفي عناوين المؤلفات والبرامج التلفزيونية مثل "فنون السعادة"، "فن السعادة"،"فن السعادة الزوجية"، "تقنيات السعادة والتفوق الشخصي".
إن إبداع الصور الاستعارية الجديدة المتعلقة بصناعة السعادة وتقنياتها تنطلق من التجربة الحسية للإنسان المعاصر وتطور الصناعات وتقنياتها. ونلاحظ أن التعبير عن السعادة في اللغة العربية المعاصرة تتحول فيه الاستعارة من فعل أشياء خارجية تؤثر في الإنسان وتدخل في قلبه السرور إلى تقنيات تُصنع بطريقة ذاتية من داخل الإنسان. أو تُصنع بطريقة فنية جمالية إبداعية من داخل الإنسان أيضا. وهكذا نجد أن الاستعارات اللغوية تبدع متشابهات جديدة وبذلك توجد لنا معنىً جديدا ومفاهيم متغيرة. فالتعبير عن السعادة بطريقة استعارية ليس مجرد طريقة جمالية للتعبير، إنما هي الوسيلة الوحيدة المتاحة للتعبير باللغة عن مفهوم السعادة باستخدام مجالات أخرى محسوسة، بل إن الإنسان المعاصر شكّل مفهوما جديدا للسعادة عن طريق صنع تمثيلات استعارية جديدة أبدعها من العالم الفيزيائي المحيط به.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون