FINANCIAL TIMES

درس لأهل المال من نادي «أكلة لحوم البشر»

في عام 1863، اجتمعت مجموعة من رجال العصر الفكتوري (نعم، كانوا جميعا من الرجال) في ناد في لندن. كان الهدف من اجتماعهم إنشاء نادي كانيبال “أكلة لحوم البشر”، الذي يفترض أنه جمعية أنثروبولوجية من شأنها، كما كان يرجو أعضاؤها، استكشاف الثقافات البعيدة من أجل الكشف عن السبب الذي يجعل البشر يسلكون سلوكيات معينة - حتى إن كانوا من أكلة لحوم البشر.
قد يبدو ذلك وكأنه لقطة غريبة من تاريخ العصر الفكتوري التي أصبحت في طي النسيان، لكنه يحظى بأهمية لا يستهان بها اليوم. لم يكن النادي يتألف فقط من أساتذة جامعات ممن لديهم اهتمام أكاديمي بالاستكشاف. كان كثير من الأعضاء ينتمون إلى ما كان يطلق عليه “مؤسسة حاملي السندات الأجنبية”، التي كانت مرتبطة ببورصة لندن. في القرن التاسع عشر كانت الإمبراطورية البريطانية آخذة في الاتساع، ما أدى إلى ظهور تجارة جديدة وفرص للأعمال في جميع أنحاء العالم. وشجع ذلك الممولين في لندن على تقديم الائتمان إلى أجزاء بعيدة من آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، إضافة إلى أجزاء من أمريكا الشمالية.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر ساء وضع كثير من تلك الديون بسبب حالات إعسار وفساد واحتيال (بعضها ارتُكب من خلال النصابين البريطانيين الذين ضللوا المستثمرين بشأن الفرص المتاحة في بلدان أجنبية) ـ ولا تزال القروض السيادية من أماكن مثل فنزويلا تقديم نتائج صاعقة. وأدرك بعض المقرضين البريطانيين، متأخرين، أن فهْم الثقافات الأخرى أمر مهم، وأن من الخطأ - على وجه التحديد - افتراض أن الجميع يتشارك الأفكار نفسها المتعلقة بكيفية تقييم الأصول، وفرض القوانين، وإنشاء الأسواق، وبناء الثقة.
لذلك بدأ الممولون الاستثمار في بحوث “أنثروبولوجية” غير دقيقة. المؤرخ الاقتصادي، مارك فلاندرو، يكتب في كتابه الصادر عام 2016 بعنوان “علماء الأنثروبولوجيا في البورصة”: “العلوم الاجتماعية التي أصبحت تستخدم وتُعطى الأهمية كانت متأثرة وخاضعة لسوق الأسهم. اتخذ علم الأنثروبولوجيا البريطاني الشكل الذي أصبح عليه، لأن الغرب كانت لديه أسواق رأسمالية، ولأن الغزو الاستعماري أثار مشكلات في القيمة والتقييم”.
إنها حكاية غريبة، ليس فقط لأن المستثمرين الغربيين، في صدى للتاريخ، يواجهون (مرة أخرى) موجة من حالات الإعسار في أماكن مثل فنزويلا. في هذه الأيام إن ذكرت نادي كانيبال أمام علماء الاجتماع الحديثين، فسيشعر كثير منهم بالرعب الشديد. لا عجب في ذلك. فقد كان الأعضاء المؤسسون الأصليون لهذا الفريق هم مجموعة من المتحيزين جنسيا (ذكورة وأنوثة) والعنصريين الذين افترضوا أن “الشعوب البدائية” أدنى مرتبة من الأوروبيين. حتى إن بعضهم أيد ضمنا فكرة العبودية (على الرغم من وجود ناد آخر لعلم الأجناس البشرية في ذلك الوقت، “الجمعية الإثنولوجية في لندن”، يدعو إلى إلغاء تلك الفكرة).
اليوم يرى علماء الأجناس البشرية نظامهم كما لو أنه بطل يدافع عن حقوق الإنسان ونظام في طليعة المناهضين للعنصرية والتحيز الجنسي. نادي كانيبال هو مصدر للعار إلى درجة أن وجوده حورب من قبل معظم المقررات الجامعية. وكان كثير من علماء الاجتماع يمتقع لونه من فكرة العمل لدى الشركات الخاصة، أو الجيش، لا سيما إذا كان يغلب على ظنهم أن بحوثهم يمكن أن تُستخدَم لاستغلال الناس أو التلاعب بهم في البلدان الأخرى.
مثلا، تعقد الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية هذا الأسبوع اجتماعها السنوي في العاصمة واشنطن، مع حضور ما يقارب ستة آلاف شخص. رغم أن الشركات توظف بشكل متزايد علماء الأنثروبولوجيا، إلا أنه سيتم التهوين من ذلك من قبل كثيرين خلال الاجتماع السنوي للجمعية. فمعظم أساتذة الأنثروبولوجيا يكرهون الرأسمالية بشكل كبير جدا إلى درجة أنه لن يخطر أبدا في بالهم العمل لدى صندوق تحوط، أو أحد المصارف. حتى إن مجرد الإشارة إلى هذه الفكرة خلال اجتماع الجمعية السنوي يمكن أن تكون ضربا من الزندقة.
الشعور متبادَل تماما. بالنسبة لكثير من المصرفيين (والاقتصاديين)، يبدو مفهوم الأنثروبولوجيا خارجا على الأعراف السائدة، أو أنه غير ذي صلة، لأنه يتعلق بالتحليل الثقافي “الرخو”، بدلا من التعامل مع أرقام “قاطعة”.
وبما أني أكتب باعتباري درستُ الأنثروبولوجيا في البداية قبل دخولي إلى عالم الصحافة المالية، أشعر بأن من المؤسف وجود هذه النزعة القبلية، وبالقدر نفسه اختفاء نادي كانيبال من الوجود. نعم، كانت العنصرية والتحيز الجنسي في العصر الفكتوري أمرين بغيضين، لكن من جانب واحد على الأقل كانت وجهة نظر النادي صحيحة: لا يمكنك في الحقيقة أن تفهم الثقافة، أو تنخرط في الدراسات الثقافية، من خلال تجاهل الحركات المالية.
بالمثل، لا يمكنك أن تفهم الأسواق العالمية دون التفكير في الثقافة. المال ليس قوة لا تُدحض، مثل الجاذبية الأرضية. جميع جوانب التمويل - سواء كانت البيتكوين، أو السندات، أو الأنظمة الحاسوبية، أو أي شيء آخر - تبرز من خلال شبكات من العلاقات الاجتماعية.
أقلية فقط من الممولين في العصر الحديث يبدو أنهم يفهمون هذه النقطة. بحلول الوقت الذي تحتل فيه فنزويلا عناوين الصحف بسبب إعسارها للمرة الألف بعد المائة، يجدر حينها التفكير في هذا الرابط التاريخي، الذي كثيرا ما يتم تجاهله، بين أسواق رأس المال والثقافة - وبين التمويل والعلوم الاجتماعية.
لا أحد يرغب في أن يشهد ولادة شكل جديد للإمبريالية. لكن سيكون من الجميل أن يلتقي حاملو الأوراق المالية في العصر الحديث مع مزيد من علماء الأنثروبولوجيا. لاحظ أن المواضيع الأكاديمية في العصر الحديث تحاج إلى التمويل - والعالم المالي بحاجة ماسة للمزيد من التبصر الثقافي، ليس فقط المتعلق باستثماراته، بل المتعلق بممارساته الداخلية. بعبارة أخرى، ربما حان الوقت لوجود شكل جديد من “نادي كانيبال” - لكن هذه المرة، بدلا من النظر إلى الغرباء، يجدر بأهل المال تركيز العدسة على أنفسهم.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES