تحديات التميز الأكاديمي .. وبيئات العمل

|

يعتبر التميز الأكاديمي ذراعا محركا لتطور الدولة والعلم، وتميزها في مجالات البحث والتطور والسياسات، وذلك التميز، لا يمكن أن يكون منفصلا عن البيئة في مجال العمل، والخطة التي تؤطر طبيعة العمل بمؤشرات مرتبطة بطبيعة العمل ذاته، وتخدم الأهداف الوطنية، وتساعد العالمين بها على التميز والإبداع وعندما نتحدث عن الإبداع هنا نعني تجاوز أطر المألوف أو العمل الواجب، ولن يأتي الإبداع بأي شكل من أشكاله دون بيئة تضمن الحد الأدنى من الحرية، والتشجيع والمساندة، وإيجاد منظومة متكاملة، تضمن أسس البحث العلمي وتجويد المخرجات، وصولا إلى ربط مراكز الأبحاث بمسرعات الأعمال وإيجاد حواضن أعمال تنشئ أجيالا قادرة على الربط بين الجانب الأكاديمي البحثي والجانب العملي بشتى تخصصاته، وقادرة على تحويل أي فكرة أو خدمة إلى عمل مؤسساتي يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.
سيطرت شركة "ويب أوف سيانس" شبكة العلوم والمملوكة من شركة طومسون رويترز على مؤشرات الاستشهاد والتصنيف للمجلات الدولية العلمية المحكمة ذات الأثر في الاستشهاد والاقتباس، وتضع معايير لمختلف المجلات العلمية وامتلاك أهم قواعد البيانات، وقد تحولت ملكية تلك الشركات المالكة لمنظومات المعرفة إلى شركةClarivate Analytics، وقد لا يرى أثرا للغة العربية أو اعترافا باللغة العربية في المنظومات المعرفية، وهذا أيضا قد يؤثر في الإبداع باللغة العربية، وهنا يلزم للجهات العربية التجمع والضغط والاستثمار في تلك الشركات الكبرى، للولوج إلى داخلها ومحاولة إضافة اللغة العربية الغائبة عن أهم المنظومات العلمية العالمية.
يقضي الأكاديمي وقتا في التحصيل والقراءة خارج أوقات دوامه، وهذا التحضير والقراءة المستمرة، جزء لا يتجزأ من طبيعة العمل وكذلك جزء من هوية الإنسان والسلوك الواجب لكل مسلم بالقراءة، والتعلم، ومع التطور العلمي، أصبح التدريب على القيادة والإدارة وريادة الأعمال حاجة لكل أكاديمي كي يتم نقل جزء من تلك المهارات خلال المواد المتخصصة التي يقوم بتعليمها الأكاديميون ولذا فإن أدوات اليوم تتجاوز المقدرة على التفكير النقدي وطرح الأسئلة البحثية، بل تقوم على فهم وإدراك أسس إدارة المشاريع وريادة الأعمال، والأطر المؤسساتية والقانونية، لتحويل أي فكرة إلى واقع ملموس.
ينظر للمشاركات الخارجية للأكاديميين خارج أسورة الجامعة كنوع من الاحتكاك المهم للتعلم من التجارب المختلفة، وفهم مختلف وجهات النظر عن مختلف التجارب، وبغض النظر عن التخصصات من إنسانية أو علمية بحتة، تظل ضرورة الاحتكاك بالعلماء والباحثين أهمية وضرورة لكل أكاديمي وباحث.
إن عدم فهم تلك الطبيعة الخاصة بالعمل الأكاديمي أو التقليل من أهمية العمل الذي يقومون به من أهم ما يجهز على الإبداع ناهيك عن عدم وجود التحفيز الذي يشجع البحث العلمي والأدوات الأساسية مثل قواعد البيانات المدفوعة، والاشتراك في المجلات المتخصصة، وإنشاء مراكز الأبحاث الخاصة التي تقدم جزءا من أعمالها للقطاع العام وأخرى للقطاع الخاص، وكذلك تحويل جزء من الأبحاث إلى أبحاث تطبيقية في أهم المسائل التي تخص المجتمع، وعلى رأسها مثالا: أبحاث الهندسة التطبيقية - أبحاث التبريد - أبحاث تحلية المياه - أبحاث الطاقة الشمسية - أبحاث الطاقة والبيئة - أبحاث السياسات - أبحاث إدارة الحشود - أبحاث إدارة الطرق - أبحاث علم النفس الاجتماعي - أبحاث الأمن الشامل، وغيرها من التخصصات المختلفة، لا شك أيضا أن من عقبات الإبداع كذلك، الجمود في شرك التخصص الواحد، حيث لا يمكن فصل أبحاث اليوم عن مفهوم تداخل التخصصات وذلك لأن أي ظاهرة في دراستها بعمق، تتداخل بأكثر من تخصص لذا فإن مراكز الأبحاث الخاصة تحتاج إلى تخصصات متنوعة كي تضمن التميز في دراسات الظواهر المختلفة التي تؤثر في المجتمع والبيئة.
إن توفير بيئة تحفيزية بعيدة عن كم الأوراق المهولة والمتضخمة المسماة أحيانا بالجودة، وترك فرصة له بالإبداع، وإعطاءه الأدوات العلمية والبحثية والتدريب المتنوع، والاحتكاك خارج الجامعة والتواصل مع المجتمع وخدمته تضمن إبداعا إذا ما كان هناك إيمان بدور الأكاديمي والمؤسسات الأكاديمية بيد أن هذا كله لا يخلي المسؤولية الشخصية على الإنتاج والإبداع على الرغم من أي صعوبات قد تواجه الفرد، لصالح شباب وأجيال الوطن خدمة لهم بكل تفان واجتهاد من أجل هذا الوطن الغالي.

إنشرها