المشراق

طبيب عبر الزمن .. قراءة طبية لقصص تراثية

الدكتور منصور سمار الجابري طبيب متخرج من جامعة الملك سعود، ومهتم بالتراث العربي، صدر له أخيراً 1439هـ عن مكتبة العبيكان كتاب "طبيب عبر الزمن"، وقد أورد المؤلف فيه سبع قصص شهيرة من التراث العربي لشخصيات أصيبت بمرض أدى إلى الوفاة، ودرس الرواية من الناحية التاريخية، ثم درسها من الناحية الطبية محاولاً تحديد نوع الأمراض التي أصيبوا بها. وفكرة الكتاب على حد قول الناشر "فكرة مبتكرة تمزج بين الرواية التاريخية الموثقة، والطب الحديث بأسلوب أدبي بليغ يجمع بين قوة المفردة وسلاسة الأسلوب". أما المؤلف الجابري فيقول عن عمله "ثمة زوايا كثيرة في تاريخنا العربي يلفها الغموض، وتتناولها كتب التاريخ والأدب بشكل يثير التساؤل، وبطريقة تبعث على الدهشة، لكنها قل أن تروي غليلا. وليس هذا الأمر سيئا دائما، بل كثيرا ما كانت هذه النقاط الغامضة ميدانا تتبارى فيه الأقلام، ويتسابق فيه الكتاب لبيان وجه الحقيقة، الذي يتوارى خلف بضعة أسطر، كتبها مؤرخ أو رواها أديب. وقد تختلف هذه الزوايا باختلاف القراء أنفسهم، فما لا يسترعي انتباه أحدهم يراه الآخر لغزا محيرا يكتنفه الغموض. ولم أكن بدعا من هؤلاء القراء، بل ثمة عديد من الأسئلة التي كانت تسترعي انتباهي، وتثير فضولي في أثناء القراءة في كتب التاريخ والأدب. فعلى سبيل المثال لا الحصر: كنت أتساءل عند قراءتي قصة وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبب موته، وهل يمكن للسم أن يبقى كامنا في الجسم لمدة أربع سنوات، ثم ينتفض فجأة على هيئة حمى تلحقه بالرفيق الأعلى في أقل من أسبوعين؟ هل من تفسير علمي يقبله الطب الحديث، يشرح ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن قصة وفاته صلى الله عليه وسلم؟ وكنت أتساءل كلما قرأت سيرة هارون الرشيد - يرحمه الله -، كيف عرف الطبيب جبريل أن الخليفة لا يجاوز ثلاثة أيام، ولم ير إلا ماء الرشيد في قارورة؟ ثم ألا يمكن أن ترتبط الأعراض الواردة في الروايات التاريخية بمرض معروف، يفسر جميع الأحداث، ويؤلف بينها. وهذا أبو الطيب المتنبي قد وصف الحمى التي ألمت به في مصر وصفا لا مزيد على بيانه، أفلا يمكن تحديد نوعها ومسببها، ولو على وجه التقريب؟. وأي داء حل بابن الرومي حتى اغتال واسطة عقده، ثم أتبعه بأخويه الآخرين، وها صبية صغار؟ تساؤلات ملحة كانت تتوارد على خاطري كلما سنح الوقت لي بقراءة شيء من كتب التاريخ أو كتب التراجم والأدب. ولا أنكر أن طبيعة التخصص قد أثرت في نوعية هذه الأسئلة والإشكالات، وإن كان بعض هذه التساؤلات قديما قدم القراءة نفسها، بل كان يرد علي قبل دخول كلية الطب. ومع أن معظم الشخصيات التي تدور حولها الأسئلة تعد شخصيات محورية في تاريخنا العربي والإسلامي، إلا أنني لم أجد في المكتبة العربية ما يطمئن إليه القلب، وترتاح إليه النفس، ولا أزعم أنني قد استقصيت جميع ما كتب حول هذا الموضوع، لكن هذه الشخصيات من الشهرة بمكان، بحيث لو كتب عنها على غرار ما كتبه الغربيون عن سبب وفاة نابليون أو الإسكندر الأكبر لعرف واشتهر. ولم يدر بخلدي ــ علم الله ــ أني سأتجشم عناء هذا الطريق على قلة سالكه ووعورة مسالكه، لكني وجدت الأثر حسنا في نفوس الطلبة في أثناء التدريس في كلية الطب عندما نربط لهم أعراض الأمراض بقصة من قصص التاريخ والأدب. فهي ترسخ المعلومة في الأذهان من ناحية، وتوقظ حس الانتماء إلى مأثورنا الحضاري العظيم في نفوس الطلبة من ناحية أخرى. وقد أشار علي بعض الفضلاء أن أوثق هذه المعلومات في كتاب، يلم شتاتها، ويقرب بعيدها، فشرعت في التأليف، مستعينا بالله متوكلا عليه، وقد بذلت وسعي لكي يجمع الكتاب بين متعة الأدب، وفائدة التحقيق العلمي، إضافة إلى المعلومة الطبية الموثقة، التي تسهم في رفع الوعي الصحي بطريقة سلسة ومبتكرة.
خطة الكتاب: ينقسم الكتاب إلى سبعة فصول مستقلة عن بعضها، بحيث يختص كل فصل بشخصية معينة، أتناول فيه قصتها، ثم تحقيق سبب وفاتها أو مرضها، ثم أتبع ذلك ببند مستقل، أتحدث فيه بإيجاز عن المرض المذكور، وربما أتبعت ذلك ببند آخر، أتناول فيه إلماحة تربوية، أو ومضة علمية مستلهمة من وحي القصة. وقد رتبت فصول الكتاب على حسب درجة الوثوق من تشخيص المرض، فبدأت بقصة هارون الرشيد - يرحمه الله - لتوافر الروايات التاريخية، ودقتها في وصف أعراض المرض، إضافة إلى وجود فحص أساسي، استخدمه طبيب الخليفة، لمعرفة مدى خطورة المرض على الحياة. أما قصة المتنبي فقد جاءت ثانيا لدقة وصفه للحمى، التي اعتادت زيارته كل ليلة، وبيانه أعراضها بيانا يصلح مادة لدراسة التاريخ المرضي، ثم أتت بعد ذلك قصة ابن الرومي لأنه نص على اسم المرض وسبب الوفاة في قصيدته الرائعة، التي رثى بها ابنه، ثم تلتها بقية القصص مرتبة على وفق السبب المذكور".
والقصص التي تناولها المؤلف حسب ترتيب الكتاب:
1 - السكر يحقق رؤيا هارون الرشيد.
2 - زائرة المتنبي.
3 - ابن الرومي: النزف يغتال واسطة العقد.
4 - وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بين السم والحمى.
5 - عامر بن الطفيل: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
6 - العدسة أول عذاب أبي لهب.
7 - المخبل السعدي: يرى الشخص كالشخصين وهو قريب.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق