المشراق

قنطرة قرطبة التي فاقت بها الأمصار

قال شاعر قديم من أهل الأندلس اسمه ابن عطية متحدثا عن مميزات مدينة قرطبة المعمارية، التي تفوقت بها على سائر المدن، حسب رأيه:
بأربعٍ فاقت الأمـصـار قـرطـبةٌ وهنّ قنطرة الوادي وجـامـعـهـا
هاتـان ثـنـتـان، والـزهـراء ثـالـثة، والعلم أكبر شيء وهو رابعها

وقنطرة الوادي، أو قنطرة قرطبة، أو الجسر أو قنطرة الدهر التي ذكرها هي موضوعنا.
يقول الأمير شكيب أرسلان في كتابه الحلل السندسية "ومن أشهر مدن الأندلس مدينة قرطبة، أعادها الله - تعالى - إلى الإسلام، وفيها الجامع المشهور والقنطرة المعروفة بالجسر"، وقد ذكر ابن حيان أنه بني على أمر عمر بن عبدالعزيز جاء في كتاب "أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها والحروب الواقعة بها بينهم"، وهو أقدم تأريخ لعرب الأندلس ــ ولم يعرف اسم مؤلفه ــ أن عمر بن عبدالعزيز لما تولى الخلافة ولى الأندلس السمح بن مالك، فكتب إلى عمر يعلمه أن مدينة قرطبة تهدمت من ناحية غربها، وكان لها جسر يعبر عليه نهرها ووصفه بحمله وامتناعه من الخوض فيه الشتاء عامة "قال" فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت فإن قبلي قوة على ذلك من خراجها بعد عطايا الجند، ونفقات الجهاد وإن صرفت صخر ذلك السور فبنيت جسرهم. فيقال والله أعلم أن عمر - رحمه الله - أمره ببناء القنطرة بصخر السور، وأن يبني السور باللبن، إذ لا يجد له صخراً فوضع يداً فبنى القنطرة في سنة إحدى ومائة، رضي الله عنه، ونصه "وقام فيها بأمره على النهر الأعظم بدار مملكتها قرطبة الجسر الأكبر الذي ما يعرف في الدنيا مثله". ويضيف الدكتور عبدالعزيز سالم في كتابه "تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس من الفتح العربي إلى السقوط" معلومات أخرى أكثر تفصيلا عن القنطرة فيقول "اهتم أمراء بني أمية بتأسيس القناطر وجسور المياه، وأهم القناطر الباقية قنطرة قرطبة التي تصل بين مدينة قرطبة وربضها شقندة، وهي من بناء الإمبراطور أغسطس، ووجدها الفاتحون العرب عند الفتح الإسلامي لقرطبة مهدمة، قد سقطت حناياها ولم يبق منها سوى دعائمها الراكبة في النهر، فجدد السمح بن مالك الخولاني بناءها بأحجار السور المهدّم سنة 101هـ. ثم تعرضت القنطرة سنة 161هـ لسيل جارف سد حناياها وهدم بعضها وزلزلها، ولم يتهيأ للأمير عبدالرحمن الداخل أن يرممها لانشغاله بقمع الثورات المشتعلة في سائر أنحاء الأندلس، فرممها ابنه هشام من بعده وتولى بناءها بنفسه، ولكن القنطرة تعرضت مرة ثانية لسيل ذهب بربض القنطرة سنة 182هـ، وتبعه سيل آخر سنة 288هـ هدم دعامة من دعائمها، لكنها استمرت على الرغم من ذلك تؤدي وظيفتها في وصل قرطبة بشقندة، ثم تثلمت القنطرة سنة 331هـ في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر بسبب المد الهائل الذي اجتاح الوادي الكبير، ويبدو أن الخليفة قام بترميم هذه القنطرة، لكنها تعرضت سنة 334هـ لسيل عظيم. وبلغ الماء البرج المعروف ببرج الأسد، فهدم الجزء الأخير من القنطرة، وثلم الرصيف، فأصلح الناصر ما تهدم من القنطرة. وهكذا ظلت القنطرة موضع رعاية أمراء بني أمية، وعمل المنصور بن أبي عامر على تخفيف الضغط على قنطرة قرطبة، فأمر ببنيان قنطرة أخرى على نهر قرطبة سنة 378هـ تم بناؤها سنة 379هـ، فعظمت بها المنفعة، ثم أعيد بناء قنطرة قرطبة في عهد الملك دون بدرو الأول، ثم جددت في عهد الملكين الكاثولكيين، وفي سنة 1880 أعيد رصفها من جديد، ثم كسيت سنة 1912 بكسوة من الأسمنت غطت معالمها الأثرية.
يصل عدد أقواس هذه القنطرة اليوم 16 قوسا تحملها 17 دعامة لكنها كانت تشتمل في العصر الإسلامي على عدد أكبر، فقد ذكر الرازي أن عدد أقواسها 17 قوساً، بينما ذكر صاحب مناهج الفكر أن عدد حناياها 18 حنية، وعدد أبراجها 19 برجا". ومدينة قرطبة كما هو معروف تقع في جنوب إسبانيا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق