ثقافة وفنون

جوليا روبرتس .. أم مفعمة بالاهتمام ضد بشاعة التنمر

تشكل مشكلة التنمر أو المضايقة وهي الترجمة الحرفية لكلمة Bullying، أحد المشاكل الشائعة جدا في المدارس خصوصا الأطفال ما بين السادسة والثانية عشر. والتنمر هو مصطلح ذاع صيته في الآونة الأخيرة وانتشر بين مجتمعاتنا مسببا كثيرا من المشاكل للشباب والمراهقين على وجه التحديد، خاصة مع ما يحصل داخل المدارس من سيطرة رفاق على بعضهم البعض وانبثاق مشاكل يافعة لكنها عميقة بجذور متشعبة، وعلى الرغم من فتح ملف التنمر على مصراعية في وسائل الإعلام بعد ثورة مواقع التواصل الإجتماعي إلا أنه لم يترافق ذلك مع حملات توعوية، بل تم الاكتفاء بعرض نقاشات وآراء، إلى أن جاء فيلم "ووندر- Wonder" للممثلة جوليا روبرتس، الذي طرح إلى جانب قضية التنمر معضلة ذوي الاحتياجات الخاصة في العيش باندماج كامل داخل المجتمع، مع رسائل أخرى خفية يجدها المشاهد تغلغلت داخل قلبه فور خروجه من صالة السينما.
طوال السنوات الثلاث الماضية تربعت النجمة الأوسكارية جوليا روبرتس سدة المرتبة الأولى بين أيقونات السينما العالمية وأصبحت محبوبة الجماهير منذ تقديمها أفلام رائعة مثل Pretty Woman و My Best Friend’s Wedding وErin Brokovich وغيرها، وها هي اليوم على أعتاب السنون الخمسين من عمرها، وبعد غياب عام كامل عن الشاشة الكبيرة، ‏تطل روبرتس بفيلم Wonder، الذي يعتبر الفيلم الـ50 لجوليا في مسيرتها الفنية، وتؤدي "نجمة كوميديا رومانسية" دوراً مؤثرا في الفيلم، فتتبرع بتأدية دور أم يعاني ابنها تشوها خلقيا في الوجه، فتكرس حياتها للاهتمام به وتعليمه.

مقتبس عن رواية
وتستند أحداث الفيلم إلى قصة درامية مقتبسة عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب آر. جيه. بالاسيو، وتروي قصة طفل يدعى «أوجى»، يلعب دوره جايكوب ترمبلاي، يولد ببعض العيوب الخلقية تؤدى إلى تشوهات في الوجه، وقد خضع لـ27 عملية تجميلية لتمكنه من التنفس والرؤية والسمع بشكل طبيعي، وقد أبدعت روبرتس في تقديم دور الأم المثالية المفعمة بالمشاعر، ضحت بكل شيء من أجل طفلها بسبب معاناته، حتى أنها وضعته في المرتبه الأولى في حياتها متقدما على الزوج الذي جاء دوره هامشيا بعض الشيء لكنه أضفى المرح والسعادة على بعض اللقطات. أما الإبنة الأكبر فيا، التي تلعب دورها الممثلة إيزابيلا فيدوفيتش، فهي الفتاه التي لا ينتبه لتعاستها أحد، لكنها استطاعت تقديم الدور بأداء السهل الممتنع، فجاء تمثيلها عفويًا لكن متماسكا وعاطفيا يلمس شغاف الروح لدرجة مُبكية، حتى أن كثيرا ممن سيشاهدون الفيلم رُبما يتعاطفون مع جانبها في الحكاية أكثر من تعاطفهم مع البطل الرئيسي الذي يملك كل ما يحتاج إليه من اهتمام بالفعل.

تضحية الأم
الأم في هذا الموقف نسيت كل أفراد الأسرة وبقيت مع أوجي في المنزل حتى أنه كان لها طموحات جمة في العمل وتحقيق الذات، لكنها تغاضت عن ذلك واستمرت في دورها الأمومي المثالي، لازمته وقدمت له تعليما خاصا حتى التاسعة من عمره، لكنها لا تلبث أن تدرك أن الأوان قد جاء لدخول أوجي المدرسة، خاصة أنها ستكون أول سنة في المرحلة المتوسطة ما يَعني أنّه لن يكون الطفل الوحيد الجديد في المكان.
بدأ الفيلم يتحول إلى طرح قضية أخرى وهي التنمر في المدرسة حيث يتعرض أوجي لكثير من المشاكل من قبل زملائه ولا يجرؤ على المواجهة، يحاول قدر المستطاع التأقلم مع رفاقه لكنه يشعر دائما بنقص حاد ويعاملونه بطريقة مختلفة. تعرف إلى صديق يدعى جاك لكنه سرعان ما خذله، ففي حفلة الهالوين وهي المناسبة الوحيدة التي يخفي فيها أوجي وجهه عن الجميع فلا يعرفون من هو ومن ثَم يبدأون في التعامل معه دون نفور في الوقت الذي يتمكَّن هو فيه من العبور مرفوع الرأس، واثقًا بنفسه وشاعرًا بخفة لا مثيل لها، لكن شاء القدر أن يسمع جاك وهو يكلم صديقة جوليان، الطفل المتنمر في المدرسة أن أوجي ليس بصديق وسوف يقتل نفسه لو ظهر شكله مثل شكل أوجي.

تغلب على الصعاب
وبعد كثير من المشاكل تمكن أوجي في النهاية من تكوين أصدقاء وعلاقات حقيقية، بفضل دعم والدته له وتعليمه على التأقلم مع المجتمع المدرسي أنه ليس قبيحا، علمته أن الجمال ليس فقط فى المظهر، وهذه رسالة من الرسائل الكثيرة في الفيلم والتي تركز على الجمال الداخلي الذي لا يفنى.
لم يقتصر نجاح الفيلم على القصة والأداء التمثيلي بل أبدع أيضا المخرج وكاتب السيناريو والحوار ستيفن تشبوسكي في تقديم مشاهد خارجية رائعة. ولم يتم التركيز في الفيلم على قصة أوجي فقط بل قام المخرج بسرد الفيلم بطريقة الفصول، كل فصل يتناول شخصية من الشخصيات فيحكي الأحداث من وجهة نظرها، مبررا تصرفاتها الحَسن منها وغير المقبول.
أما الموسيقى التصويرية فلقد لعبت دورًا حيويًا، وتميزت الموسيقى والأغنيات المختارة بالعذوبة والدفء رغم كون معظمها سريعة، إلا أنّ ذلك لم يُقلل من ملاءمتها للأحداث فجاءت مُكملةً لأركان العمل، ومن اللافت أنه حتى الرواية صدرت معها موسيقاها التصويرية الخاصة.

أرقام قياسية
وقد لاقى الفيلم استحسان أغلبية النقاد والمواقع الفنية المختلفة، وعل الرغم من أنّه لم يُطرح في دور السينما في الولايات المتحدة إلا في 17 نوفمبر الحالي، إلا أنه نجح خلال عطلته الأسبوعية الأولى في احتلال المركز الثاني في البوكس أوفس، محققا 28 مليون دولار من أصل ميزانية 20 مليونا، وهي بداية موفقة بالطبع.
وكانت الكاتبة آر. جيه. بالاسيو قد طرحت في روايتها «ووندر» المقتبس عنها الفيلم قضية الدمج التعليمي لذوي الاحتياجات الخاصة وكيف يمكن تنفيذه في ظل رفض المجتمع، ولم تستعرض الكاتبة الصراع النفسي لطفل مشوه خلقيا فقط، بل عرضت مشاكل مختلفة خاصة بمرحلتي الطفولة والمراهقة. وقد نجحت الكاتبة في تقمص شخصيات المراهقين والأطفال ببراعة، وهي نجحت في تقديم حكم ومعاني إنسانية مهمة من خلال رواية بسيطة وقريبة إلى القلب.
ويستدل من هذا الفيلم، والشعبوية التي حصدها منذ انطلاقه في دور العرض حول العالم، أن من الممكن استخدام السينما كأداة لدعم قضية إنسانية ومحاولة التغيير الإيجابي للمجتمع، لما يحمله من معان إنسانية مهمة، وقطعا تحميل الفيلم تلك الأفكار سينشرها على نطاق أوسع.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون