هل يكره ابنك المدرسة؟ «2»

|

تطرقت في مقال الأسبوع الماضي إلى موضوع كراهية الأبناء للمدارس خصوصا الأطفال. وقد بينت بعض الظواهر التي تدل على أن الطفل يكره المدرسة، وذكرت منها عدم رغبته في الحديث عن يومه المدرسي، وعدم رغبته في حل الواجبات المدرسية، والتلعثم في الكلام، والتبول اللاإرادي. ثم بينت بعض أسباب الكراهية، وذكرت منها ما يتعلق بالأسرة، وما يتعلق بتطور فكر الأجيال وبقاء البيئة المدرسية على حالها. وفي هذا المقال سأتطرق إلى بقية الأسباب، بعضها يرجع إلى نمط شخصية الطفل وقدراته، والبعض الآخر يعود إلى البيئة المدرسية، والسبب الجوهري يأتي من ركن الزاوية في أي عملية تعليمية ألا وهو المعلم.
أكثر الأطفال عرضة لكراهية المدرسة هو الطفل الذي يرغب في الاستقلالية وإثبات الذات، والذي يطلق عليه "الطفل العنيد"، ويقصد بالعناد استمرار الطفل في الرفض السلبي المستمر للأشياء أو الآراء أو القيم أو الأفكار التي تعرض عليه، كما يقصد بالعناد أيضا الخروج عن المبادئ والالتزامات التي تضبط حركة مجتمع ما. ويظهر العناد في شخصية الطفل من سن الثانية إلى سن السابعة تقريبا، وقد يستمر إلى أبعد من ذلك. فالطفل العنيد يصعب التعامل معه؛ لاتسامه بإرادة قوية وإصرار على العناد، وبذلك نراه يتمرد على البيئة المدرسية، ويظهر عناده واستهتاره بالمواد الدراسية. ورغم أن الطفل العنيد شخصية طبيعية، ولكن إذا تعدى الحدود المعقولة فيعد مؤشرا على خلل في نفسيته، وقد يكون سببه سوء معاملته في المرحلة الأولى من عمره.
وموضوع العناد يقودنا إلى خاصية الذكاء عند الأطفال، فالطفل العنيد يكون عادة حاد الذكاء، إذا كان نمط شخصية الطفل يتصف بالعناد، على عكس العناد الناتج عن الدلال الزائد، حيث إنه يفرض سيطرته على الكبار، ويرغمهم بأساليب عديدة نحو تنفيذ رغباته. كما أن الطفل الذي يتميز بالذكاء الحاد والنبوغ المبكر أكثر الأطفال تعرضا لكراهية المدرسة حتى لو لم يكن عنيدا؛ لأنه ينظر إلى ما تقدمه المدرسة من واجبات على أنها التزامات لا تليق به، ويشعر بسخف حيال أدائها، فيشعر بالضيق، ويكره المدرسة لرغبته في اكتشاف أبعد من حدود بيئته المدرسية الصغيرة.
وكراهية المدرسة لا تقتصر فقط على شريحة النوابغ، بل إن الأطفال المعوقين ذهنيا أو صحيا أو متواضعي الذكاء عرضة لذلك. فإصابة الطفل بإعاقة ذهنية أو صحية قد يرتكب من خلالها حماقات أو يسلك سلوكيات شاذة تجعله موضعا للسخرية والاستهزاء من قبل من حوله. ونتيجة لسلوكياته الشاذة يبتعد عنه من حوله أو قد يبتعد هو بإرادته ليعيش عالمه الخاص به، فينطوي لئلا يتعرض للسخرية والنقد.
كما أن افتقار الطفل إلى التنظيم يسبب له تراكم الواجبات وكثرة الأعباء والمهام، فيكره المدرسة تبعا لذلك. فعدم قدرة الطفل على تنظيم وقته بين الدراسة والترفيه يسبب له الإحباط والإحساس بالفشل، فيترك أداء واجباته المدرسية تدريجيا؛ حتى يتخلف عن رفقائه، وهذا يسبب له كراهية المدرسة. كما أن هناك أسبابا أخرى تتمحور حول الطفل ذاته، تؤدي به إلى كراهية المدرسة مثل عدم رغبته في التعليم؛ بسبب قناعته أن التعليم لا يفي بمتطلباته الاجتماعية والشخصية، وبالتالي يفقد إثارته وشغفه بالتعليم، وقد يفاقم هذه التجارب التي تروى له من أشقائه أو أصدقاء عن البيئة المدرسية قبل ولوج الطفل المدرسة ــ أي في مرحلة ما قبل المدرسة ــ فتترسخ في ذهنه مبكرا صورة قاتمة عن المدرسة بمن فيها. وقد تكون كراهيته جزئية لبعض المواد الدراسية؛ بسبب عدم انسجامها مع قدراته.
أما المعلم فله دور كبير جدا في كراهية الطفل للمدرسة، وقد يكون على العكس تماما سببا في محبة الطفل لها. وبما أن الموضوع عن كراهية الطفل للمدرسة، فسنركز على سلوكيات المعلمين البغيضة لجعل الأطفال يكرهون المدارس. أول سبب يرتكبه المعلم ويؤدي إلى كراهية الطفل المدرسة هو العقاب بشكل دائم ومستمر، من خلال عديد من الطرق مثل: كتابة الواجب أكثر من مرة، أو حرمانه من بعض المواد الدراسية المحببة إليه، أو تهديده بالضرب، أو ضربه بالفعل الذي ما زال يُمارس علانية في مدارسنا رغم التعاميم والتعهدات والتهديدات للمعلمين أن يبتعدوا عن هذا السلوك التربوي المشين. كما أن إحساس الطفل بعدم الاحترام والتقدير، وتعمد إهماله من المعلم سبب في كراهية المدرسة.
وللبيئة المدرسية دور في كراهية الأطفال المدارس، خصوصا تلك البيئات الكئيبة التي تشابه إلى حد قريب السجون والإصلاحيات، فلا أنشطة ولا ترفيه ولا علاقات، فكل ما يتلقاه الطفل في المدرسة تعليم ممل وروتين قاتل؛ لذا نجد بعض الأطفال والطلاب بشكل عام يصعب عليهم التكيف مع هذه الأجواء. وقد يكون سبب كراهية الطفل المدرسة نابعا من مضايقات يتعرض لها من قبل زملائه؛ نتيجة عدم انسجامه معهم، فقد يتعرض للعنف الجسدي أو اللفظي أو الجنسي في بعض الأحيان.
هذه هي أهم الأسباب التي ذكرها التربويون عن كراهية الأطفال للمدارس. نرجو من المربين والمعلمين ومن لهم علاقة بالطفل معرفتها، والحرص على تذليل الصعاب أمام الأطفال بل الطلاب أيضا مهما كانت أعمارهم من أجل جيل يعشق التعليم ويقدر أهميته.

إنشرها